شهد جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، خلال السنوات الأخيرة، تطورًا متسارعًا في طبيعة اختصاصاته، بالتوازي مع توسع الدولة في تنفيذ المشروعات القومية. فقد ارتبطت مهامه في البداية بقيادة مشروعات التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي، لكن اتسع نطاق عمله ليشمل منظومة اقتصادية وتنموية متكاملة تضم الزراعة والإنتاج الحيواني والتصنيع الغذائي والخدمات اللوجستية والطاقة والتعدين والتجارة والاستثمار والتحول الرقمي والتنمية العمرانية. ويهدف هذا النموذج التنموي إلى تعظيم القيمة المضافة للموارد الوطنية ورفع كفاءة إدارة الأصول وتعزيز الأمن الغذائي ودعم مستهدفات الدولة في تحقيق التنمية المستدامة وجذب الاستثمارات.

ولا تقوم فلسفة عمل الجهاز على تنفيذ مشروعات منفصلة، بل على بناء سلاسل إنتاج متكاملة تبدأ من الأرض، مرورًا بالإنتاج والتخزين والتصنيع والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى التسويق والتوزيع. هذا يضمن تحقيق أعلى قيمة اقتصادية من الموارد المتاحة ويحول كل مشروع إلى جزء من منظومة إنتاجية مترابطة تدعم الاقتصاد الوطني بصورة مستدامة. كما يعتمد الجهاز على شراكات واسعة مع القطاع الخاص والمؤسسات الوطنية والدولية، مما يعزز كفاءة التنفيذ ويزيد من فرص الاستثمار في مختلف القطاعات التنموية.

التوسع الزراعي… نقطة الانطلاق.

بدأت رحلة الجهاز من أكبر مشروع لاستصلاح واستزراع الأراضي في تاريخ الدولة المصرية بإجمالي مستهدف يبلغ 4.5 مليون فدان، بهدف زيادة الرقعة الزراعية وتعزيز إنتاج المحاصيل الاستراتيجية وخلق مجتمعات إنتاجية جديدة تعتمد على أحدث نظم الزراعة والري الحديث والبنية الأساسية الذكية.

ولم تقتصر جهود الجهاز على التخطيط للمشروع، بل نجح حتى الآن في استصلاح ما يقرب من 80% من المساحة المستهدفة في مختلف أنحاء الجمهورية، تتقدمها مشروعات الدلتا الجديدة وشرق العوينات وسنابل سونو وسيناء والمنيا-بني سويف والسادات واللاهون والنوبارية. هذه المشروعات حولت مساحات واسعة من الصحراء إلى مناطق إنتاج متكاملة تمثل قاعدة جديدة للزراعة والاستثمار والإنتاج الغذائي.

وتعتمد هذه المشروعات على إنشاء بنية تحتية متطورة تشمل شبكات الري الحديثة ومحطات الرفع والطرق والكهرباء ومحطات الطاقة والخدمات اللوجستية. هذا يتيح تحويل الأراضي الجديدة إلى مجتمعات إنتاجية قادرة على دعم النشاط الزراعي والصناعي مع توفير آلاف فرص العمل وفتح مجالات واسعة أمام استثمارات القطاع الخاص.

كما يستهدف الجهاز التوسع في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح الذي يمثل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي المصري. وقد ساهمت مشروعات الجهاز الزراعية هذا العام في زيادة إنتاجية القمح المحلي بصورة غير مسبوقة لتسجل منظومة توريد القمح المحلي رقمًا قياسيًا تاريخيًا بلغ نحو 5 ملايين طن، وهو أعلى معدل توريد تشهده مصر، مما يعزز قدرة الدولة على تقليل الاعتماد على الواردات وزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي.

ويحظى بنجر السكر بأولوية خاصة داخل التركيب المحصولي للمشروعات الزراعية؛ إذ أسهم التوسع في زراعته داخل الدلتا الجديدة ومناطق الاستصلاح الجديدة في دعم مصانع السكر وتحقيق الاكتفاء الذاتي منه، بما يمثل خطوة مهمة نحو تقليل الفجوة الاستيرادية وتعزيز استقرار السوق المحلية.

وفي الوقت نفسه انعكس التوسع الزراعي على أداء الصادرات المصرية حيث حققت الصادرات الزراعية المصرية لأول مرة حاجز 10 ملايين طن بزيادة تقارب 300% مقارنة بعام 2014. وهذا يعكس نجاح نموذج التنمية الزراعية الذي تتبناه الدولة ودور المشروعات الجديدة في زيادة القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق الخارجية.

ولم تعتمد الدولة في هذه المشروعات على الجهد الحكومي وحده؛ بل أصبح القطاع الخاص شريكًا رئيسيًا في التنمية داخل الدلتا الجديدة حيث تعمل أكثر من 150 شركة متخصصة في مجالات الزراعة والميكنة الزراعية ومستلزمات الإنتاج. وهذا يعكس نجاح نموذج الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص لدعم التنمية الزراعية وزيادة الإنتاج.

التخزين… استكمال منظومة الأمن الغذائي.

التوسع الكبير في الإنتاج الزراعي فرض ضرورة تطوير منظومة التخزين باعتبارها الضامن الرئيسي للحفاظ على جودة المحاصيل وتقليل الفاقد وتعزيز قدرة الدولة على إدارة مخزونها الاستراتيجي. وفي هذا الإطار أنشأ الجهاز أكبر مجمع للصوامع في الشرق الأوسط داخل مشروع الدلتا الجديدة إلى جانب شبكة متكاملة من المخازن الاستراتيجية وثلاجات التبريد لترتفع الطاقة التخزينية إلى نحو 600 ألف طن مما يعزز قدرة الدولة على استيعاب الإنتاج المتزايد ورفع كفاءة تداول الحبوب وضمان استمرار توافر السلع الاستراتيجية على مدار العام.

التصنيع… تعظيم القيمة المضافة للإنتاج.

ومع استقرار منظومة الإنتاج والتخزين انتقل الجهاز إلى مرحلة جديدة تقوم على تعظيم القيمة المضافة من خلال التصنيع الغذائي باعتباره الحلقة الأكثر قدرة على زيادة العائد الاقتصادي من المحاصيل الزراعية.

وفي هذا الإطار أنشئت مدينة مستقبل مصر الصناعية التي تضم منظومة واسعة من مصانع الصناعات الغذائية تشمل مصانع النشا والجلوكوز والعصائر والخضروات والفاكهة المجمدة والمربات والمركزات والأعلاف والعبوات واللحوم المصنعة بما يوفر طاقة إنتاجية تبلغ نحو 3.4 مليون طن من الخامات الزراعية سنويًا تنتج ما يقرب من 1.7 مليون طن من المنتجات النهائية المخصصة للسوق المحلية والتصدير.

وإلى جانب مدينة مستقبل مصر الصناعية يمثل مجمعا قها وإدفينا أحد أهم الأذرع التصنيعية التابعة للجهاز في مجال الصناعات الغذائية حيث يعملان على تعظيم الاستفادة من الإنتاج الزراعي وتحويله إلى منتجات غذائية عالية الجودة ذات قيمة مضافة. وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمجمعين نحو 475 ألف طن من الخامات الزراعية سنويًا بإنتاج يقارب 513 ألف طن من المنتجات النهائية تشمل العصائر والمربات والخضروات والفاكهة المجمدة والألبان ومشتقاتها والزيوت والبصل والثوم المجفف بالإضافة إلى أنشطة التعبئة والتغليف بما يدعم تلبية احتياجات السوق المحلية ويعزز القدرة التنافسية للصادرات المصرية ضمن منظومة تصنيع متكاملة تربط بين الإنتاج الزراعي والصناعة والتصدير.

كما عزز الجهاز شراكاته مع القطاع الخاص في تشغيل هذه المصانع وأبرم اتفاقيات مع عدد من كبرى الشركات العاملة في مجالات التصنيع الغذائي وتسويق المنتجات بهدف رفع كفاءة التشغيل وتعظيم العائد الاقتصادي وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الإقليمية والدولية بما يحول الإنتاج الزراعي إلى صناعة متكاملة تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

الخدمات اللوجستية… ربط الإنتاج بالأسواق.

ولأن نجاح أي منظومة إنتاجية يرتبط بكفاءة حركة التداول اتجه الجهاز إلى تطوير منظومة الخدمات اللوجستية عبر إنشاء مركز سفنكس لتداول المحاصيل الذي يعد أكبر مركز متكامل لتجارة وتداول المحاصيل والسلع الزراعية في الشرق الأوسط.

يقام المركز على مساحة تبلغ نحو 500 فدان بطاقة تداول وتخزين تتجاوز 20 مليون طن سنويًا ويضم بورصة سلعية حديثة ومحطات للفرز والتعبئة والتغليف ومخازن وثلاجات ومركزًا للمال والأعمال مما يجعله منصة متكاملة لتنظيم حركة التجارة الزراعية وربط مناطق الإنتاج بالمصانع والأسواق المحلية ومنافذ التصدير. وتكتسب البورصة السلعية داخل المركز أهمية اقتصادية كبيرة إذ تسهم في تعزيز الشفافية وتحقيق عدالة التسعير وتنظيم العلاقة بين المنتجين والتجار وتقليل حلقات الوساطة مما ينعكس إيجاباً على استقرار الأسواق وزيادة تنافسية المنتجات المصرية وتعظيم مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني.

شبكة توزيع متكاملة… من الإنتاج إلى المستهلك

ومع اكتمال حلقات الإنتاج والتخزين والتصنيع اتجه جهاز مستقبل مصر لاستكمال الحلقة الأخيرة عبر إنشاء شبكة توزيع واسعة تضمن وصول المنتجات للأسواق بكفاءة وسرعة مما يقلل حلقات التداول ويحافظ على استقرار الأسعار ويزيد من كفاءة سلاسل الإمداد.
وفي هذا الإطار يدير الجهاز شبكة تضم نحو 1500 منفذ “سوبر توفير” موزعةً على مختلف محافظات الجمهورية لتصبح إحدى أكبر شبكات توزيع السلع الغذائية بمصر حيث تعمل هذه المنافذ على توفير السلع الأساسية والمنتجات الغذائية بصورة مستمرة مع الاعتماد على منظومة مباشرة تربط الإنتاج بالمستهلك دون حلقات وسيطة مما يسهم بزيادة المعروض وتحقيق التوازن داخل الأسواق ودعم جهود الدولة لتوفير السلع بأسعار مناسبة.
ولا تمثل هذه المنافذ مجرد منافذ بيع بل تعد امتدادًا طبيعيًا لسلسلة القيمة التي يديرها الجهاز إذ تبدأ رحلة المنتج بالأرض الزراعية مروراً بعمليات الحصاد والتخزين والتصنيع والخدمات اللوجستية ثم تنتهي بوصوله إلى المستهلك عبر منظومة توزيع حديثة تحقق أعلى درجات الكفاءة والاستدامة.
تنويع الإنتاج.. منظومة متكاملة لتعزيز الأمن الغذائي
اعتمد جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة تنويع مصادر الإنتاج وعدم قصرها فقط علي النشاط الزراعي انطلاقاً لرؤية تستهدف بناء منظومة غذائية متكاملة تربط بين الإنتاج النباتي والحيواني والداجني والسمكي بما يعزز قدرة الدولة علي تلبية احتياجاتها من السلع الغذائية الاستراتيجية ويرفع كفاءة سلاسل الإنتاج ويحقق استدامة الأمن الغذائي.
وفي هذا الإطار يقود الجهاز منظومة متكاملة للإنتاج الحيواني والداجني تعتمد علي أحدث النظم العلمية تبدأ بتوفير مستلزمات الانتاج وإنتاج الأعلاف مروراً بتحسين السلالات وتطبيق أعلى معايير الرعاية البيطرية والأمان الحيوي وصولاً إلي الذبح والتجهيز داخل مجازر حديثة تعمل وفق أحدث المواصفات بما يضمن إنتاج غذاء آمن وعالي الجودة.
وشهد قطاع الثروة الحيوانية توسعاً ملحوظاً عبر إنشاء وتشغيل خمس مزارع متخصصة بتسمين الماشية بطاقة إنتاج تصل إلي نحو 180 ألف رأس سنوياً مما يسهم بزيادة المعروض اللحوم الحمراء وتقليل الفجوة بين الانتاج والاستهلاك ودعم استقرار الأسواق مع استهداف مواصلة التوسع خلال السنوات المقبلة.
كما يواصل الجهاز تطوير صناعة الدواجن عبر منظومة انتاج متكاملة تبدأ بإنتاج الجدود والأمهات مروراً بمزارع التسمين مستهدفاً الوصول إلي 6 ملايين طائر لتعزيز استدامة الانتاج المحلي بالإضافة إلي التوسع بإنتاج بيض المائدة وإنتاج الألبان عبر مزارع خاصة تعتمد علي أحدث نظم التشغيل فضلاً عن إنشاء منظومة حديثة للمجازر تضم مجازر للدواجن والعجول تعمل وفق أعلى المعايير الصحية والبيطرية بما يرفع القيمة المضافة للمنتجات ويعزز تنافسيتها.
وإيماناً بأن زيادة الانتاج ترتبط بجودة السلالات يعمل الجهاز بالشراكة مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي والقطاع الخاص علي تنفيذ برامج للتحسين الوراثي وتطوير الرعاية الصحية للثروة الحيوانية والداجنة مما يسهم برفع الانتاج وتقليل معدلات النفوق وتعزيز كفاءة المنظومة الانتاجية وذلك ضمن رؤية تكامل تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي ودعم الصناعات الغذائية وترسيخ الأمن الغذائي كأحد أهم ركائز التنمية المستدامة.
ولا تقتصر استثمارات الجهاز بهذا القطاع علي انتاج الدواجن التقليدي بل يدير أيضاً واحداًًمن أهم وأكبر مشروعات انتاج البيض الخالي عن مسببات الأمراض (SPF) بالشرق الأوسط والذي يمثل ركيزة أساسية لدعم صناعة اللقاحات والبحوث الطبية والبيطرية عبر توفير بيض مطابق لأعلى المعايير الصحية العالمية مما يعزز قدرات الدولة بمجالات الأمن الحيوي والصناعات الدوائية وإنتاج اللقاحات ويدعم توجهها نحو توطين الصناعات الحيوية وتقليل الاعتماد علي الاستيراد.
نهضة الثروة السمكية… استعادة قيمة البحيرات المصرية

.