لم يكن صوت الفرحة الذي دوى داخل المقاهي المصرية لحظة إحراز إسبانيا هدفها في شباك الأرجنتين مجرد صدى عابر، بل كان تعبيرًا عن مشاعر عميقة. فقد ارتفعت أصوات المصريين في العديد من المقاهي والمنازل، وصفق كثيرون لهدف إسبانيا، وكأن الفريق الإسباني الذي يرتدي الأحمر يمثلهم، أو كأن الكرة دخلت مرمى خصم مصري، لا مرمى المنتخب الأرجنتيني بطل العالم السابق.

فلماذا فرح المصريون؟

هل أحبوا إسبانيا إلى هذه الدرجة؟ أم أرادوا سقوط الأرجنتين لأنها المنتخب الذي أنهى حلم مصر في دور الـ16؟ أم انحازوا إلى جيل جديد يقوده فتى اسمه لامين يامال في مواجهة الجيل الأخير للأسطورة ليونيل ميسي؟

ربما كانت الإجابة هي كل ذلك معًا.

فرحة لإسبانيا.. أم ثأر كروي من الأرجنتين؟

الأرجنتين التي أوقفت الرحلة المصرية في كأس العالم عند دور الـ16 عندما تغلبت على مصر بنتيجة 3-2، بعد مباراة خرج منها المصريون بمزيج من الفخر والحسرة. فقد قاوم المنتخب المصري بطل العالم، وتفوق عليه في كل أوقات المباراة حتى قبل النهاية بعشر دقائق فقط، واقترب من كتابة واحدة من أكبر مفاجآت البطولة، لكنه غادر في النهاية بينما واصلت الأرجنتين طريقها حتى المباراة النهائية بعد أحداث مثيرة للجدل.

ومن هنا نشأ لدى قطاع من الجماهير المصرية إحساس طبيعي في كرة القدم، وهو الرغبة في خسارة الفريق الذي أخرج منتخبها. لم يكن الأمر عداءً لميسي بالضرورة، ولا كراهية للأرجنتين، ولكنه نوع من الثأر الكروي غير المباشر، وكأن بعض المصريين أرادوا من إسبانيا أن تفعل ما لم تستطع مصر فعله.

وعندما جاء هدف إسبانيا، لم يكن مجرد هدف في نهائي المونديال، بل بدا وكأنه الرد المتأخر على ليلة خروج الفراعنة. ولهذا دوت المقاهي بالتصفيق والفرحة الجماعية؛ فبعض الجماهير احتفلت بانتصار إسبانيا، وبعضها احتفل بسقوط الأرجنتين.

إسبانيا ليست غريبة عن الجمهور المصري.

هناك سبب آخر لا يقل أهمية وهو أن الكرة الإسبانية تتمتع بشعبية هائلة في مصر. فقد عاشت أجيال كاملة مع مباريات ريال مدريد وبرشلونة وحفظت أسماء لاعبيهما. لذلك لم تكن إسبانيا منتخبًا بعيدًا عن المشجع المصري.

نجومها معروفون وطريقتها محبوبة. كما أن الصعود المذهل للامين يامال جعله واحدًا من أكثر اللاعبين جماهيرية بين الشباب. ولهذا كان من السهل أن يجد المنتخب الإسباني جمهورًا مصريًا جاهزًا للتعاطف معه خصوصًا أمام الأرجنتين التي كانت تحمل لقب المونديال وتقودها أسطورة مثل ليونيل ميسي.

من جرح قطر إلى عرش العالم.

قصة إسبانيا في مونديال 2026 لا يمكن فهمها دون العودة إلى خيبة كأس العالم في قطر عام 2022. دخل المنتخب الإسباني تلك البطولة وسط توقعات كبيرة وبدأ مشواره بانتصار ساحق على كوستاريكا بسبعة أهداف نظيفة. لكن الفريق سرعان ما كشف عن مشكلته الحقيقية؛ حيث كان يستحوذ كثيرًا ويمرر كثيرًا لكنه لم يكن فعالاً بما يكفي.

وفي دور الـ16 اصطدمت إسبانيا بالمغرب وانتهى الوقتان الأصلي والإضافي بالتعادل السلبي قبل أن يسقط المنتخب الإسباني بركلات الترجيح بعدما فشل في تسجيل أي ركلة. كانت تلك ثاني مرة متتالية تخرج فيها إسبانيا من دور الـ16 بركلات الترجيح بعد سقوطها أمام روسيا في مونديال 2018.

لم تكن مشكلة إسبانيا في قطر نقص المهارة بل غياب الفاعلية واستحواذ بلا أنياب وتمريرات كثيرة لا تؤدي دائمًا إلى الخطر. بعد البطولة انتهت مرحلة المدرب لويس إنريكي وبدأت مرحلة لويس دي لا فوينتي وهنا تغير كل شيء.

دي لا فوينتي يعيد بناء الماتادور.

لم يهدم دي لا فوينتي الهوية الإسبانية بل أعاد تشكيلها. احتفظ المنتخب بالقدرة على الاستحواذ والتمرير لكنه أضاف السرعة على الأطراف والضغط القوي والتحولات المباشرة والقدرة على اللعب بأكثر من أسلوب.

لم تعد إسبانيا تسعى للاحتفاظ بالكرة لمجرد الاحتفاظ بها بل أصبحت تستخدمها للوصول إلى المرمى. ومع وجود لاعبين مثل رودري وفابيان رويز وميكيل ميرينو ونيكو ويليامز ولامين يامال النجم الجديد تحول الفريق إلى منتخب يمتلك الكرة والخطورة معًا.

إسبانيا دخلت المونديال بطلة لأوروبا.

لم تصل إسبانيا إلى كأس العالم 2026 كمنتخب يبحث عن نفسه بل دخلت البطولة وهي بطلة أوروبا. ففي يورو 2024 قدم المنتخب الإسباني واحدة من أقوى الرحلات التاريخية وتغلب في النهائي على إنجلترا بنتيجة 2-1 ليتوج باللقب الأوروبي للمرة الرابعة.

وخلال تلك البطولة لم تكن إسبانيا مجرد بطلة بل كانت أفضل فريق أداءً بعدما تفوقت على منتخبات كبيرة وقدمت كرة هجومية تجمع بين الخبرة والشباب.

  • وحصل رودري على جائزة أفضل لاعب في البطولة بينما فاز لامين يامال بجائزة أفضل لاعب شاب واختير هدفه أمام فرنسا كأفضل أهداف يورو 2024.