أثارت جرائم القتل الأخيرة حالة من الحزن والاستياء في الشارع المصري، إذ اتصفت بالبشاعة وزيادة أعداد الضحايا. مثل جريمة التجمع البشعة التي راح ضحيتها أب وأم وفتاتان في عمر الزهور، على يد صديق العائلة بسبب الطمع والحقد. لم يراع القاتل صداقة أو عشرة، بل كان هدفه الوحيد هو الحصول على أموال صديقه بأي ثمن، حتى وإن كان ذلك فوق جثث عائلته بأكملها. وهو ما جعل النيابة العامة تقدم الجاني لمحاكمة عاجلة.
كما جاءت واقعة “15 مايو” لتكون حلقة جديدة في سلسلة الدماء، حيث أقدم مهندس على قتل أربعة أفراد، منهم ابنته وشقيقي طليقته وأحد أقاربهم، وشرع في قتل ابنه. وذلك خلال جلسة كان من المفترض أن تكون للصلح حول سداد مبالغ متجمدة من نفقة أولاده بعد طلاقه من زوجته وعودته من عمله في قطر. لكنه أضمر الشر داخله، وبدلاً من الذهاب بنية صافية للصلح، ذهب وهو يحمل مسدسًا حصل عليه عن طريق موقع “الدارك ويب” الإجرامي وحوالي 85 طلقة وجنزبر وملابس للتخفي.
أصر المهندس في البداية على أن تكون المقابلة في منزله وليس في مكتب المحامي، ثم عاد ووافق على مقابلتهم في شقة أحد أقارب الزوجة بدون حضور المحامي. وغافلهم وأطلق عليهم 11 طلقة أودت بحياة الضحايا، بما في ذلك ابنته والرجل الذي استضافهم. والغريب أن المهندس كان يقدم فيديوهات ذات محتوى ديني على السوشيال ميديا ويقوم بتفسير “القرآن الكريم” بل ويتحدث عن المفسدين في الأرض. وليته نصح نفسه قبل أن ينصح الآخرين.
وفي سوهاج، وقعت جريمة أخرى راح ضحيتها ثلاثة أشخاص عندما أقدم رجل على قتل زوجته وشخصين آخرين بزعم شكه في سلوك زوجته. عاد المتهم من ليبيا بعد وصول رسالة من صفحة وهمية على الفيس بوك تدعي وجود علاقة بين زوجته وميكانيكي يدعى محمد يقيم في نفس المبنى.
ورغم أنه ثبت عدم وجود فيديوهات أو صور مخلة لزوجة المتهم مع المجني عليهم، تبين أن كل ما نشر عن وجود تلك الفيديوهات غير صحيح باستثناء صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، أقدم المتهم على قتل زوجته والميكانيكي وشريكه وقام بقطع جزء حساس من جسد الميكانيكي بعد قتله بزعم اعتراف المجني عليها له بذلك. ولم يتبين هل الاعتراف -إن صح كلامه- كان بسبب التهديد والضغط أم الندم.
كما تبين عدم صحة الرواية التي ذكرت أن الأهالي رفضوا استلام جثامين ذويهم من الضحايا وهو مخالف للحقيقة، فقد تسلموها في نفس اليوم ودفنوها.
ورغم إثارة الواقعة للجدل الشديد على السوشيال ميديا بين مؤيد ومعارض لموقف المتهم، يجب الانتظار حتى تظهر نتائج التحقيقات لتوضيح الحقائق ومن الظالم ومن المظلوم. وفي النهاية لا أحد يؤيد إراقة الدماء لأن القانون هو الذي يحكمنا جميعًا.
وقعت جريمة أخرى بحي الزيتون بالقاهرة عندما قتل شاب والدته المسنّة ودفنها في الشقة لمدة عامين وكان يصرف معاشها خلالهما. وفي الإسكندرية، قام شابان بذبح شقيقتهما بوحشية ومن قبلها حاولت إلقاء والدهما من الشرفة. وفي المنوفية، قتل شاب شقيقه بسبب خلافاته مع زوجة المتهم وصوّر فيديو ظل يبكي فيه مدعيًا المظلومية وأنه لم يقصد قتل أخيه ولكن الكاميرات أوضحت أنه كان يرفع يديه بعد القتل ويقول “جبت حق مراتي” قبل القبض عليه.
تتعدد الجرائم المؤلمة التي ارتكبها هؤلاء دون شفقة أو رحمة ودون مراعاة لأي اعتبارات حتى صلة الدم والقرابة. ولم يبال القاتل بعدد الضحايا ولا بصلة القرابة بينهم.
حتى في حالات الانتقام لا ينبغي للإنسان أخذ حقه بيديه لأننا نعيش في دولة قانون وإلا تحولنا إلى غابة كما قال الفنان الراحل صلاح السعدني لعادل إمام في فيلم “الغول” حينما انتقم فريد شوقي منه.

فلماذا هانت الدماء؟!

ولماذا أصبحنا هكذا لا نراعي حرمة دم ولا حرمة موت؟! بل إن البعض صار يخوض في الأعراض بكل سهولة دون التحقق من الحقائق وظروف الواقعة. بالتأكيد لا يوجد أبطال في أي جريمة وإنما هناك جناة ومجني عليهم. مهما كانت الظروف فإن حرمة الدماء عظيمة عند الله، ولو حرص كل شخص على أخذ حقه بيديه لما أصبح هناك قانون ولأصبح الجميع يحتكمون إلى قانون آخر ليس قانون ساكسونيا ولا قانون إيكا وإنما قانون الغابة.