يشهد الوسط الأكاديمي والإعلامي المصري جدلاً واسعاً حول تصريحات الدكتور وسيم السيسي، أستاذ المسالك البولية، المتعلقة بالتاريخ والحضارة المصرية القديمة، والتي اعتبرها علماء آثار “خاطئة علمياً” وتفتقر إلى الأدلة المادية، مما دفع وزيري الآثار الأسبقين، الدكتور زاهي حواس والدكتور ممدوح الدماطي، لتقديم شكوى رسمية ضده تطالب بمنعه من الظهور الإعلامي.

مناظرة علمية أم صدام شخصي؟

تصاعدت الأزمة بعد مناظرة ساخنة جرت مؤخراً بين الدكتور زاهي حواس والدكتور وسيم السيسي بحضور الدكتور الدماطي وعدد من الخبراء، وأدارها الإعلامي حمدي رزق.

على الرغم من نفي السيسي أن تكون الجلسة مناظرة (قائلاً إنها كانت “أربعة على واحد”), إلا أنها شكلت لحظة حاسمة في الخلاف المعلن.

واتهم حواس ورفاقه السيسي بترويج نظريات هامشية مثل “نظرية الطاقة” في بناء الأهرامات، ونفي كونها مقابر، بالإضافة إلى ادعائه وجود “وادي ملوك أول” مفقود وحديثه عن بردية الفاتيكان التي تزعم وجود كائنات فضائية.

من جانبه، دافع السيسي عن نفسه في مقال له معتبراً أن ما يقوله هو اجتهادات لعلماء غربيين مثل كريستوفر دان.

وفيما يلي أبرز المحطات في رحلة السيسي الجدلية التي اعتبرها العلماء خاطئة أو مفتقرة للدليل:.

الأهرامات محطات طاقة

يدعي السيسي أن الأهرامات لم تكن مقابر بل محطات لتوليد الطاقة، وهي نظرية يرفضها علماء المصريات بشدة مؤكدين أن النقوش والتابوتات داخل الأهرامات دليل قاطع على وظيفتها الجنائزية. تستند هذه الفرضية إلى المهندس كريستوفر دن الذي افترض أن الغرفة الملكية استخدمت لتوليد الكهرباء عبر “التأثير الكهروضغطي”، لكن لم يُعثر على أي شواهد مادية أو نقوش أو أدوات تدعمها واعتُبرت من قبل الخبراء ضمن “علم الآثار الزائف” (Pseudoarchaeology).

نظرية الفضائيين وبردية الفاتيكان

ينسب للسيسي تبنيه روايات عن تدخل كائنات فضائية في بناء الحضارة المصرية مستنداً لبردية الفاتيكان المزعومة. لكنه تراجع جزئياً في المناظرة مشيراً إلى أن أصل الفكرة يعود للكاتب السويسري إريك فون دانيكن وأن العلوم الرياضية التي اكتشفها المصريون القدماء تثبت استقلالية حضارتهم.

ادعاء التواصل مع الفضاء

سبق للسيسي أن نقل تصريحات لوزير الدفاع الكندي الأسبق بول هيليير حول تعاون الحكومة الأمريكية مع كائنات فضائية. وبالتدقيق تبين أن هيليير معروف بتبنيه نظريات المؤامرة وأن البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية) ينفي رسمياً وجود أي دليل على تكنولوجيا من خارج الأرض.

مزاعم حول الأهرامات والمومياوات.. بين الادعاء والحقيقة

في سياق تصريحاته المثيرة للجدل روج السيسي لمزاعم اعتبرها علماء الآثار مخالفة للتاريخ الأثري المعتمد ومن أبرزها:.

خلو الأهرامات من الكتابة الداخلية واعتبار التابوت الفارغ دليلاً على عدم كونها مقابر

حيث زعم السيسي أن الأهرامات لا تحوي كتابات داخلية وأن التابوت الفارغ في هرم سخم خت دليل على أنها ليست مقابر. لكن الحقائق الأثرية تشير إلى أن الأهرامات شُيدت كمقابر ملكية وقد تعرض معظمها للنهب على مدار آلاف السنين وهو ما يفسر خلوها من المومياوات والكتابات في بعض الحالات. وقد عثر العلماء داخل هرم الملك زوسر على أجزاء من مومياء الملك كما عُثر على مومياء الملك نفر-إف-رع داخل هرمه جنوب سقارة واكتشفت مقابر للنبلاء بجوار هرم خوفو تحمل نقوشاً تثبت الوظيفة الجنائزية للأهرامات.

عدم العثور على مومياوات أو بقايا ملكية داخل الأهرامات

وفي هذا الصدد قال السيسي: “لم نجد مومياء ملكية واحدة في 120 هرم”. وهذا تصريح مضلل إذ تعرضت الأهرامات للنهب المتعاقب لأكثر من 4500 عام وسجلت المصادر الأثرية اعترافات منسوبة إلى نباش قبور مصري قديم تؤكد تعرض التوابيت الملكية للنهب وتدمير محتوياتها. وبشأن حديثه عن وادي الملوك الأول زعم السيسي وجود “وادي ملوك أول” مفقود وهو ادعاء يرفضه علماء الآثار لعدم وجود أي دليل مادي أو أثري عليه.

الذرة الموجودة داخل المومياوات

تحدث السيسي عن “ذرة الحنجرة” و”الماء المغلي” في المومياوات وهي تصريحات اعتُبرت من قبيل الخلط بين العلم والخيال ولم تُعثر على أي أدلة علمية تدعمها.

تصريحات حول الكلمات المصرية القديمة والحج عند المصري القديم روج السيسي لمزاعم حول معاني الكلمات المصرية القديمة وعلاقتها بالحج وهي اجتهادات يراها المتخصصون بعيدة عن المنهج العلمي في علم المصريات.

لماذا تقدم حواس والدماطي بالشكوى؟

يرى الدكتور زاهي حواس أن إطلاق هذه النظريات عبر منصات إعلامية واسعة يمثل “تزييفاً للوعي” ويخلط بين العلم والخرافة خاصة أن الدكتور وسيم السيسي ليس متخصصاً في الآثار ويقدم نفسه كمؤرخ وباحث مما يتعارض مع الأكواد الإعلامية التي تمنع غير المتخصصين من الإدلاء بآراء علمية في مجالات ليست اختصاصهم. وتضمنت الشكوى المقدمة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والتي أحيلت إلى وزارة السياحة والآثار طلباً بإيقاف السيسي عن الظهور لحماية التاريخ المصري من “العبث” وضمان تقديم معلومة أثرية دقيقة للجمهور.