تتعدد الروايات والحكايات حول أزمة مباراة الأرجنتين الأخيرة مع المنتخب المصري في مونديال أمريكا؛ سرديات شعبية وإعلامية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتكشف عن عمق المأزق الفكري الذي نعيشه. هناك من يعتقد أن حسام حسن أخطأ عندما رفع العلم الفلسطيني في المونديال، مما تسبب في تحيز الحكم، خاصة مع استخدامه منصة دولية مغايرة للسياسة لطرح وجهة نظر غير مناسبة. وهناك من يرى أن هناك خطأً في الخطة، لا سيما خلال الربع ساعة الأخيرة من المباراة أمام الفريق المنافس. وثمة رأي ثالث يعتبر أنه لا يوجد استحقاق مصري بالفوز، وأنه من الطبيعي أن نخرج من السباق أمام فريق عظيم مثل منتخب الأرجنتين. تعبر هذه الآراء الثلاثة عن نماذج ثقافية ومعرفية متباينة، وتستحق الفهم في هدوء لتفكيك بنية الوعي فيها.
إن الطرح الذي يتحدث عن خطأ رفع العلم الفلسطيني ويدين تصريحات حسام حسن حول أهل غزة وأحوال فلسطين هو نفسه الذي يرفض الاعتراف بأن السياسة لا تنفصل عن الرياضة إلا حين يتعلق الأمر بقضايانا. بينما يتحدث هذا الفريق عن “ذكاء الغياب السياسي” تجنباً لعقوبات المؤسسات الدولية، لا يجد مبرراً لتزكية رفع العلم الأوكراني أو الإسرائيلي من الجمهور واللاعبين في محافل مختلفة، بل وحتى من الجمهور الأرجنتيني في نفس المباراة!
يعتمد هذا الطرح على تبرير الرواية الغربية واستبطان قوانينها الانتقائية وكأنها حقائق مطلقة. يرى التيار المذكور أن التضامن الإنساني للمدرب المصري هو خطأ يستوجب العقاب، وينكر جانباً مهماً من الحق الإنساني والدفاع المشروع عن قضية عادلة أُتيح لغيرها أن تُرفع. يستنكرون على أنفسهم وأهلهم وشعوبهم المساواة في إعلاء قضيتهم، وهو تشوه معرفي ناتج عن غياب التفكير الحر وانحيازات مسبقة تمليها القوى المهيمنة على صناعة الرياضة العالمية.
أما الطرح الثاني الذي يتناول خطة المدرب وفق الجدول الزمني للمباراة فهو مختلف تماماً؛ إذ يحاكم الحدث بناءً على معرفة تقنية مجردة وعلمية. إن هذه المناقشة – سواء أصابت في التحليل الفني أو أخطأت – تعكس نضجاً معرفياً ومحاولة لتفكيك حقيقة الحدث. فقد أصبحت الخطط التكتيكية وقراءة الملاعب علماً يُدرس ويُعمل به في مصر وخارجها، والتعامل معها يثبت أننا نملك أدوات النقد الذاتي. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا النقد لا ينتقص من حسام حسن الذي ظل كمدير فني متقدماً بفريقه وقابضاً على مجريات اللقاء قرابة 80 دقيقة؛ فالنقاش حول سلامة تبديلاته ليس مبنياً على فرضية “عقدة الخواجة” ولا على الاستسلام لفكرة أن المدرب الأرجنتيني أفضل تلقائياً من المدرب المصري، بل هو نقاش قائم على الندّية الفنية داخل الملعب.
ويبقى الطرح الثالث وهو الأكثر خطورة وتشوهًا؛ ذلك الذي ينطلق من أن الحلم المصري بالفوز على الأرجنتين ليس مقبولاً ولا مطروحاً من الأساس. يعاني هذا الطرح من تدنٍ وعقدة نقص واضحة، حيث تنطلق فكرة “عدم الاستحقاق المسبق” غالباً من خلفية معرفية مهزومة سلفاً ترى أن الآخر (المركزي الغربي أو اللاتيني المدعوم بهالة إعلامية) هو الأفضل دائماً والأحق بالصدارة، حتى لو كانت معطيات الميدان لا تدعمه. هذا الطرح الذي يعتبر هزيمة المنتخب قدراً حتمياً يعاني من جهل واضح في قراءة التاريخ وفي تقدير النموذج المصري باعتباره قادراً على صياغة نصر كروي بأدواته الخاصة.
تتجلى الأزمة الحقيقية في استسهال تكوين سرديات غير عادلة عنا أو عن استحقاقاتنا؛ فيما تبقى فكرة الفصل بين المسارات الوطنية والقومية والإنصاف الفني ضرورة ملحة. إن التحدي الأكبر اليوم هو كيف نقرأ إخفاقاتنا ونجاحاتنا بعيوننا نحن دون التنازل عن قضايانا العادلة أمام معايير دولية مزدوجة ودون السقوط في فخ الاستصغار الذاتي.

