اتفق خبراء مصرفيون واقتصاديون ومؤسسات مالية على أن استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة وسعر الصرف، إلى جانب بقاء التضخم أعلى من مستهدف البنك المركزي، لا يعني بالضرورة الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل. يأتي ذلك في ظل ارتفاع تكلفة التشديد النقدي على التمويل والاستثمار وخدمة الدين، وتحسن مؤشرات السيولة الأجنبية واستقرار سوق الصرف نسبيًا.

وأضافوا لـ”مصراوي” أن مستويات الفائدة الحالية لا تزال توفر للبنك المركزي مساحة كافية لامتصاص السيولة والحد من انتقال ضغوط الأسعار إلى الطلب. في الوقت الذي تأتي فيه نسبة كبيرة من الضغوط التضخمية الحالية من جانب العرض، وهي عوامل لا تستطيع السياسة النقدية التأثير فيها بشكل مباشر، ما يجعل التثبيت الخيار الأكثر توازنًا في الوقت الحالي. كما أنه مع استمرار تراجع التضخم واستقرار سعر الصرف، يبقى خفض الفائدة مطروحًا خلال الربع الرابع.

تجتمع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري غدًا الخميس 20 أغسطس 2026، لبحث أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض وسعر العملية الرئيسية، ضمن اجتماعاتها الدورية المقررة خلال العام.

ارتفع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية إلى 14.9% خلال يوليو 2026، مقابل 14.3% في يونيو 2026، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

الفائدة المرتفعة تمتص السيولة وتحد من انتقال التضخم

قال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، إن استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن جانب العرض، خاصة أسعار الطاقة، يجعل البنك المركزي بحاجة إلى التأكد من تلاشي تأثيرها قبل تغيير مسار أسعار الفائدة.

وأوضح أن ارتفاع أسعار البترول عالميًا وأسعار الكهرباء وغيرها من العوامل يمثل ضغوطًا تضخمية من جانب العرض. ورغم عدم قدرة البنك المركزي على السيطرة عليها بشكل مباشر، إلا أنه يستطيع الحد من انتقالها إلى مزيد من التضخم عبر التحكم في ضغوط الطلب.

وأضاف أن مستويات أسعار الفائدة الحالية تساعد على امتصاص السيولة الزائدة في السوق، وبالتالي الحد من الضغوط التضخمية الناتجة عن زيادة الطلب. مشيرًا إلى أن الإبقاء على الفائدة عند مستوياتها الحالية يتيح للبنك المركزي مواصلة مراقبة تأثير صدمات الطاقة وسعر الصرف على الأسعار.

وأشار نجلة إلى أن التثبيت خلال الفترة الماضية ساهم في الحد من الضغوط التضخمية. موضحًا أن الأسعار لم ترتفع بالحدة التي كانت متوقعة رغم الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.

التضخم مرتفع.. لكن الرفع ليس الخيار الأول

قال هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، إن استمرار التضخم فوق مستهدف البنك المركزي لا يعني تلقائيًا الاتجاه إلى رفع أسعار الفائدة. خاصة مع محدودية الزيادة الشهرية للتضخم ووجود ضغوط أخرى على النشاط الاقتصادي نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل.

وأوضح أن بيانات التضخم لشهر يوليو سجلت التضخم الشهري لإجمالي الجمهورية عند 0.1%. بينما بلغ التضخم الحضري السنوي 14.9% والتضخم الأساسي 14.7%. وهو ما يعكس استمرار الضغوط السعرية لكنه لا يقدم مبررًا واضحًا لرفع جديد.

وأضاف أن العامل الحاسم يتمثل في طبيعة التضخم ومصادره. إذ إن جزءًا مهمًا من الضغوط الحالية مرتبط بالطاقة وسعر الصرف وليس بزيادة قوية في الطلب المحلي.

وأشار أبو الفتوح إلى أن تقارب التضخم العام مع التضخم الأساسي بفارق 0.2 نقطة مئوية فقط يعكس استمرار ضغوط سعرية أكثر استدامة. لكنه يدعم نهج الانتظار ومراقبة البيانات بدلًا من اتخاذ قرار تشديد استباقي.

تحسن السيولة الأجنبية يدعم التثبيت

وأوضح أبو الفتوح أن تحسن السيولة الأجنبية ممثلة في الاحتياطي من النقد الأجنبي وصافي الأصول الأجنبية يدعم قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته الخارجية وتمويل الواردات. كما أن تحسن الصادرات وإيرادات قناة السويس يوفر موارد إضافية من العملة الأجنبية.

وأضاف أن هذه التطورات تساعد على دعم سوق الصرف والحد من انتقال ضغوطه إلى الأسعار مما يقلل الحاجة إلى استخدام رفع الفائدة كأداة دفاعية حاليًا.

لكنه أشار إلى أن استقرار الدولار عند متوسط 50 جنيهًا يبقي تكلفة الاستيراد مرتفعة وبالتالي فإن تأثير سعر الصرف لا يزال حاضرًا في تحديد مسار التضخم.

ارتفاع تكلفة الفائدة أحد أسباب تجنب الرفع

وأشار أبو الفتوح إلى أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يضغط على تكلفة التمويل والاستثمار ويزيد عبء خدمة الدين المحلي مما يحد من مساحة الإنفاق العام والنشاط الاقتصادي.

وأضاف أن رفع الفائدة في ظل ضغوط تضخمية ناتجة بشكل أساسي عن الطاقة وسعر الصرف قد يرفع تكلفة التمويل دون معالجة المصدر الرئيسي للضغوط. ولذلك يظل التثبيت أكثر ملاءمة ما لم تظهر صدمة جديدة.

كما حذر من تأثير ارتفاع أسعار النفط مشيرًا إلى أن وصول خام برنت إلى مستويات تقارب 94 دولارًا للبرميل قد يزيد تكلفة الإنتاج والنقل ثم ينتقل جزء من هذه الزيادة إلى أسعار المستهلكين.

90% احتمال للتثبيت و10% للرفع

رجح أبو الفتوح تثبيت أسعار الفائدة في اجتماع أغسطس بنسبة تصل إلى 90%. طالما بقي التضخم قريبًا من مستوياته الحالية ولم يتعرض الجنيه لصدمة جديدة.

وقال إن رفع الفائدة يظل احتمالاً قائمًا بنسبة 10% إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع أو شهدت أسعار الطاقة أو سعر الصرف قفزة مفاجئة تستدعي تدخلًا نقديًا أكثر تشددًا.

وأوضح أن خفض الفائدة يظل مستبعداً حاليًا في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف ووجود مخاطر مرتبطة بسعر الصرف والطاقة.

3 مخاطر قد تدفع المركزي لتغيير موقفه

حدد أبو الفتوح ثلاثة مخاطر رئيسية قد تغير تقديرات البنك المركزي قبل الاجتماع: أولها تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط مما يرفع فاتورة الواردات ويزيد الضغوط التضخمية.

أما الخطر الثاني فهو استمرار تشدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أو تأخر خفض الفائدة الأمريكية مما قد يقلل جاذبية أدوات الدين المصرية أمام المستثمرين الأجانب ويضغط على التدفقات وسعر الصرف.

الخطر الثالث يتمثل في استمرار انعكاسات التشديد النقدي على التمويل والنشاط الاقتصادي إذ سجل مؤشر مديري المشتريات 46.8 نقطة في يوليو 2026 مما يعكس انكماش نشاط القطاع الخاص غير النفطي.

وقال أبو الفتوح إن الاجتماع القادم لا يبدو موعداً مناسباً لتغيير اتجاه السياسة النقدية إذ يمنح التثبيت البنك المركزي فرصة لمراقبة انعكاسات أسعار الطاقة وسعر الصرف على التضخم دون إضافة عبء جديد على النشاط الاقتصادي وتكلفة التمويل.

ضرورة الإبقاء على سياسة نقدية متشددة

وكان صندوق النقد الدولي أوصى بالحفاظ على سياسة نقدية متشددة والإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لاحتواء أي آثار تضخمية ناتجة عن تعديلات أسعار الطاقة وذلك ضمن المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي.

وتأتي توصية الصندوق وسط استمرار مخاطر انتقال زيادات الأسعار للطاقة إلى مستوى تضخمي أعلى مما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على مستويات الفائدة الحالية بدل الإسراع بخفضها.

التضخم قد يتراوح بين 13 و14% بنهاية العام

قال محمد عبد العال، الخبير المصرفي إن حالة عدم اليقين الناتجة عن التطورات الجيوسياسية وصعوبة تحديد اتجاه التضخم تدفع البنك المركزي لمواصلة سياسة الانتظار.