تسعى مصر إلى تعزيز قدرتها التنافسية في القطاع الصناعي، حيث تحتل المركز 68 عالميًا في مؤشر الأداء الصناعي التنافسي (CIP) لعام 2025، وفقًا لتقرير اليونيدو. وفي المقابل، جاءت الإمارات في المركز 29 والسعودية في المركز 41، كما أوضح خبير اقتصادي لموقع “مصراوي”.
تُعتبر التجربة الصينية نموذجًا ناجحًا لتوطين الصناعة، حيث أسهمت المناطق الصناعية المتخصصة بنحو ربع الناتج المحلي. بينما تخصص كوريا الجنوبية أكثر من 5% من ناتجها المحلي للبحث والتطوير، مما يعد من أهم عوامل تقدمها الصناعي.
يقول الدكتور أحمد العجمي، أستاذ المالية بجامعة فاروس، لموقع “مصراوي” إن مفهوم توطين الصناعة يتجاوز مجرد إنشاء مصانع جديدة ليشمل تعميق المحتوى المحلي، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات البشرية والمؤسسية.
تشير منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO) إلى أن الصناعة تشمل أنشطة التصنيع والتعدين وإمدادات الكهرباء والغاز والمياه، مما يجعل عملية التوطين متكاملة تمتد عبر مختلف حلقات الإنتاج.
تعكس المؤشرات الرسمية تحسنًا في أداء القطاع الاستثماري. فقد بلغت مساهمة قطاعات الصناعة نحو 924.1 مليار جنيه من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2024/2025، وهو ما يعادل 5.34% من الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ 17.3 تريليون جنيه.
كما أظهر البنك المركزي المصري ارتفاع الاستثمارات العامة المنفذة في الصناعات التحويلية إلى 4.4 تريليون جنيه بنهاية النصف الأول من عام 2025/2026.
اقرأ أيضًا:.
هل تنجح مصر في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قوة صناعية؟
تحسن.. ولكن
رغم هذا التحسن، يرى الدكتور أحمد العجمي أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على زيادة الإنتاج فحسب، بل يتطلب تعميق سلاسل القيمة الصناعية. ويوضح أن رفع نسبة المكون المحلي لا يحقق توطينًا حقيقيًا إذا استمرت المصانع في الاعتماد على استيراد الخامات والمكونات الوسيطة.
يشرح العجمي أنه إذا كان المصنع ينتج 60% أو 70% من مكوناته محليًا بسبب صعوبة استيراد النسبة المتبقية، فإن توطين الصناعات المغذية والخامات الوسيطة يصبح أمرًا ضروريًا لضمان استدامة الإنتاج وتقليل الاعتماد على الخارج.
تسعى الحكومة لمعالجة هذه الفجوة من خلال مجموعة من السياسات؛ وفق رؤية مصر 2030 يمثل التصنيع ركيزة أساسية لبناء اقتصاد تنافسي. كما أدرج المسرد الوطني للتنمية الاقتصادية قطاع التصنيع ضمن القطاعات الخمسة ذات الأولوية.
تشترط قواعد برنامج دعم الصادرات الجديدة حدًا أدنى للمكون المحلي يبلغ 35% للحصول على الدعم، مع زيادة القيمة المضافة المحلية تدريجيًا. بالإضافة إلى تطبيق قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 وقانون تنمية المشروعات رقم 152 لسنة 2020، فضلًا عن مبادرة “ابدأ” التي تهدف لجذب الصناعات الاستراتيجية وتوفير الأراضي الصناعية بحق الانتفاع مع تسهيلات كبيرة.
اقرأ أيضًا:.
لماذا لا تفرض مصر ضريبة على الأثرياء والثروة؟ خبراء يختلفون حول المكاسب والمخاطر.
الدولة والصناعة
تستهدف الدولة زيادة مساهمة الصناعة إلى 20% من الناتج المحلي بحلول عام 2030 مع توفير نحو 7 ملايين فرصة عمل وفق تقارير مجلس الوزراء ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار.
تتبلور جهود التوطين في عدد من القطاعات الاستراتيجية؛ ففي صناعة السيارات يسعى البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات لرفع نسبة المكون المحلي تدريجيًا وصولاً إلى 60% قيمة مضافة محلية مع التوسع في إنتاج المكونات المغذية والبطاريات الكهربائية.
وفي مجال الصناعات الدوائية، تشير بيانات هيئة الدواء المصرية إلى أن معدل الاكتفاء الذاتي من الدواء بلغ 91.3% مع خطة لتوطين إنتاج 400 مادة فعالة توفر نحو 1.6 مليار دولار من الواردات إضافةً إلى إنتاج أدوية الأورام والأنسولين واللقاحات محليًا.
كما حققت مبادرة “مصر تصنع الإلكترونيات” قيمة مضافة محلية بلغت 40% في إنتاج الهواتف المحمولة خلال عام 2025 مع وجود أكثر من 15 علامة تجارية عالمية تقوم بالتصنيع أو التجميع داخل مصر حسب وزارة الاتصالات.
وفي قطاع المنسوجات تعمل الدولة على تحديث شركات الغزل والنسيج باستثمارات تبلغ مليار و800 مليون دولار وربط حلقات الإنتاج بدءً من زراعة القطن حتى الملابس الجاهزة. كما تستهدف استراتيجية الحديد والصلب تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات وتطوير مدينة شق الثعبان لتصبح مركزًا عالميًا لصناعة الرخام والجرانيت وإنشاء مدينة سايلو فودز لتعزيز القيمة المضافة في الصناعات الغذائية.
يشدد الدكتور أحمد العجمي على أن نجاح استراتيجية توطين الصناعة يتطلب معالجة عددٍ من التحديات أبرزها ضعف الربط بين البحث العلمي والصناعة وصعوبة تمويل المشروعات الصناعية وارتفاع تكلفة الإنتاج واستمرار الاعتماد على استيراد الصناعات الوسيطة.
ويرى أن التحول الحقيقي لن يتحقق بمجرد تجميع المنتجات داخل مصر بل ببناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة تبدأ بالمواد الخام مروراً بالمكونات الوسيطة وصولاً إلى المنتج النهائي مما يعزز القيمة المضافة ويزيد القدرة التنافسية ويعزز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات الخارجية.

