في زمنٍ تُشترى فيه الأقدار وتُزيَّن فيه الأوزار، لا تزال عنزاتُنا تتصارع على حشيشةٍ يابسة داخل الكهوف والغِيران، بينما ثيرانُ الأشرار تفترس ما تبقّى من كرامتنا. في صخب هذا التناطُح، يتبدّى المشهد كأنّه منفصلٌ في ظاهره، إلا أنّ خيوطه أعمق مما نرى؛ فالضجيج خارج الجدران ليس سوى صدًى أجوف للانفصام الذي يسكننا.

على حافة السكين، تتصارع عنزاتُنا، وقد أركبتنا جميعًا القطار نفسه. كانت شعارات الخروج من عتمة الكهف إلى فضاء الحرية، والذود عن الحِمى، والحفاظ على المرعى والكلأ، والتشارك بدلًا من التناطُح هي القاطرة التي تجمع عرباته. واليوم لم يعد هذا القطار مهددًا بالخروج عن مساره فحسب، بل بات يتهاوى في مهاوي الردى.

وعلى الرغم من مرور ألف يومٍ ويومٍ ويوم.. على السباحة في بحر الدماء تحت وطأة الموت والخراب، لم يُبقِ تناطُح عنزاتِنا عُشبًا ولا حشيشًا باسم الشعب ولأجل الشعب.

وهنا يكمن أقسى ما يفعله الإنسان بنفسه: ليس أنْ يتألم، بل أنْ يعتاد ما يؤذيه حتى يظن أنّ الألم جزءٌ من طبيعته. حينها يُسمِّي وجعه قدرًا ليس إيمانًا به بل هروبًا من ثمن التغيير. وما الاعتياد إلا استسلامٌ يُتقِن التنكّر في هيئة صبر؛ وما القدر الذي نلعنه أحيانًا إلا قرار مؤجَّل ينتظر لحظة شجاعة قد تضع حملها يومًا.

ما أشقى شعبًا غارقًا في الأوهام يستطيب عيش الكهف والغار، ولا ينطح حين ينطحه ثور الأشرار وينتظر المعجزات لتفلق البحار؛ فمن للقطار ليعود إلى سِكّته دون أنْ ينهض الإنسان؟

هذا المشهد ليس حالة عابرة أو لحظة انفعال بل امتدادٌ لبنيةٍ أعمق من السلوك الجمعي؛ فلا تُحلّ الأزمات بالشعارات ولا تُعالج بالانتصارات المؤقتة. لا يُبدِّل حجب الأصوات أو الانتصار اللحظي جوهر الواقع بل يعيد إنتاجه بصورٍ مختلفة ويحوّل الرضا بالقضاء إلى استسلام للعجز.

وهكذا تبقى العنزات وقد استنفذت رصيد بقائها تقفز في الهواء كالمُنْبَتِّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى؛ بينما تمضي السنن الاجتماعية والتاريخية ثابتة لا تتبدّل ولا يُعاد تشكيل الواقع بالرغبات.