«عندما يكون الأسد خلفك والبحر أمامك، ستختار البحر مهما كلفك الأمر.» هذه الكلمات تعبر عن مرياما، الفتاة السنغالية المراهقة التي طلبت اللجوء إلى قبرص، حيث تفسر لصديقتها – البطلة المشاركة بالفيلم – سبب جرأتها على المخاطرة بحياتها للهجرة عبر البحر والأمواج العاتية، رغم التهديد بفقدان حياتها. وذلك ضمن أحداث فيلم المخرجة والمنتجة وكاتبة السيناريو القبرصية تونيا ميشيالي بعنوان «الأسد من خلفي» The Lion at My Back، الذي تنافس على جائزة الكريستال جلوب في الدورة الستين لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، الممتد من 3 إلى 11 يوليو 2026. وقد شهدت هذه الدورة الاستثنائية احتفالًا مزدوجًا ببلوغ الدورة الستين مع الاحتفال بثمانين عامًا على تأسيس المهرجان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
تواصل تونيا ميشيالي عبر هذا الفيلم ما بدأته في أفلام سابقة تتناول قضايا النساء وإشكالياتهن في المجتمع الذكوري. ولكن الأهم أنها تبني على فيلمها الروائي الطويل الأول «وقفة مؤقتة» Pause، الذي عُرض أيضًا في المهرجان التشيكي العريق قبل سبع سنوات، وتحديدًا عام 2018، ضمن مسابقة «شرق الغرب»، التي أُلغيت لاحقًا واستبدلت بمسابقة «بروكسيما» التي تعني «القريب».
تدور أحداث الفيلم حول شخصيتين: إحداهما مراهقة سنغالية تطلب اللجوء، والأخرى امرأة قبرصية بالغة تتعافى من إدمان المخدرات وتسعى للحصول على حق حضانة طفلتها. كلا المرأتين تسعى للحصول على بداية جديدة، وتخلق المعاناة المشتركة والتضامن بينهما رابطة غير متوقعة.
الفيلم يحتوي على عناصر جذابة تجعلنا نتعاطف مع المرأتين خلال صراعهما وعبور مخاوفهما. أداء الممثلتين كان متقنًا وطبيعيًا ومليئًا بالحيوية والصدق، خاصة إيلينا كالينيكو التي جسدت شخصية المرأة القبرصية شتيلا بكل ما تحمله ملامحها من جمال ورقة وقوة. كما تألقت الممثلة الفرنسية ذات الأصول الأفريقية سُخنة ديالو في تجسيد شخصية مرياما بكل براءتها وتفاؤلها بالحياة رغم ما واجهته من قسوة، كأنها تدرك أن الحياة «هبة» يجب أن نحتفي بها.
من الجوانب السينمائية الجميلة في الفيلم هو تصوير عدد من المشاهد الجذابة بصريًا، خاصة فيما يتعلق باستغلال النساء جسديًا في أقفاص تشبه تلك المعدة للحيوانات المفترسة. في تلك اللحظات المتوترة نشعر بأن الدائرة تضيق حول البطلتين وأن إحداهما قد تضطر للاستسلام وبيع رفيقتها لإنقاذ نفسها. لكن هل يمكن اعتبار ذلك خلاصًا؟ وهل تستسلم النساء في أحوج لحظات التضامن؟ وهل يمكن التضحية بالصداقة من أجل استعادة حلم الأمومة؟ وهل يحقق ذلك السعادة النقية؟ أم أن الوعي يبقى حاضرًا حتى مع عدم التعافي التام من الإدمان؟
تقول المخرجة وكاتبة السيناريو تونيا ميشيالي عن فيلمها الذي صُوِّر بتقنية 16 ملم بكاميرا محمولة: «عندما كنت طفلة، اندلعت الحرب واضطررت أنا وعائلتي للفرار من منزلنا. ظلّت تلك التجربة المبكرة للنزوح عالقة في ذهني. قبل سنوات، توطدت علاقتي بالعديد من النساء الأفريقيات المهاجرات. لقد أثر صمودهن بشدة عليّ. بصفتي أمًا لابنة مراهقة، أؤمن بوجود رابطة خاصة بين الأمهات وبناتهن. لذلك أردت إيجاد طريقة لتجسيد هاتين القضيتين الشخصيتين العميقتين في فيلم واحد، وهكذا وُلدت قصة هذا التحالف غير المتوقع».
تفاعل الجمهور التشيكي بشكل إيجابي مع الفيلم القبرصي، وفي ختام المهرجان حصل الفيلم على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم المسكونية وهي إحدى الجوائز الموازية. وجاء في بيان لجنة التحكيم: “من خلال صور مكثفة تتحول إلى رمزية في لحظات محورية، يروي الفيلم قصة اللاجئة مرياما والبالغة من العمر ثمانية عشر عامًا والقبرصية ستيلا البالغة أربعين عامًا واللتين تنشأ بينهما علاقة وثيقة. ومن منظور مسكوني يحمل فيلم ‘الأسد على ظهري’ سردًا إنجيليًا.” ومن اللافت أن مرياما تصبح بمثابة المسيح بالنسبة لستيلا وغيرهم ممن لا يستطيعون إيجاد طريقهم للخروج من الهيمنة.
يجدر بالذكر أن لجنة التحكيم المسكونية بدأت منح جوائزها للأفلام المشاركة منذ عام 1994 لمهرجان كارلوفي فاري وتكرّم الأفلام ذات الجودة الفنية العالية والتي تطرح تساؤلات حول القيم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والروحية.
على الرغم مما سبق فإن تاريخ جائزة لجنة التحكيم يعود إلى عام 1973 وهي تُمنح تقديرًا للأفلام الروائية الطويلة التي تمزج بين الجودة الفنية العالية والقيم الروحية أو الأخلاقية أو الاجتماعية العميقة. تتألف اللجنة عادةً من نقاد وعلماء دين ومختصين في صناعة الأفلام مؤمنين ومنفتحين على الحوار بين الأديان.
على الرغم من أن الجائزة تمثل منظورًا دينيًا إلا أن اللجنة لا تشترط التركيز الصريح على الموضوعات الدينية بل تهتم بالأفلام التي تركز على الجوانب الإنسانية وتشجع التأمل الأخلاقي أو الروحي.
بقي أن نشير إلى أن “الأسد من خلفي” لم يكن الفيلم الوحيد الذي يعبر عن قضايا النساء؛ فقد عُرض العديد من الأفلام الأخرى خلال مهرجان كارلوفي فاري الستين والتي تناولت قضايا تخص المرأة وعلاقاتها بأسرتها والمجتمع المحيط بها. كما تم تكريم ثلاث نساء بارزات بجوائز الإبداع والتميز تقديرًا لجهودهن.
تحية تقدير لإدارة مهرجان كارلوفي فاري وجميع فريق العمل بما في ذلك المتطوعون والجمهور الذين يؤكدون دوماً صواب خيارات فريق البرمجة.
تمثيل بارز لقضايا المرأة في مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الستين

