استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي لبعثة منتخب مصر بعد عودتها من كأس العالم لم يكن مجرد حدث بروتوكولي عابر أو تكريمًا لفريق حقق إنجازًا رياضيًا تاريخيًا، بل كان رسالة تعبر عن رؤية دولة كاملة، تحمل في طياتها دلالات سياسية وإنسانية ورياضية، موجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء.
عادةً ما يرتبط التكريم الرئاسي برفع الكؤوس أو اعتلاء منصات التتويج في كرة القدم ومختلف الألعاب الرياضية، لكن هذه المرة جاء المشهد مختلفًا، حيث تجاوز إنجاز المنتخب الوطني حدود النتائج والأرقام إلى فضاء أوسع عنوانه الانتماء والكرامة والالتزام بالقيم الإنسانية.
رغم أن المنتخب المصري عاد من المونديال بدون لقب، إلا أنه حاز على احترام ملايين المصريين والعالم بأسره بعدما قدم أفضل مشاركة في تاريخ الكرة المصرية بكأس العالم، متجاوزًا دور المجموعات لأول مرة ووصل إلى دور الـ16 دون هزيمة في الدور الأول. كما حقق أول انتصار مصري في الأدوار النهائية وسجل رقمًا تهديفيًا غير مسبوق بتسجيل 8 أهداف في نسخة واحدة.
ومع ذلك، لم يكن الإنجاز الرياضي هو السبب الوحيد وراء هذا الاحتفاء، فقد نجح المنتخب أيضًا في تقديم صورة مشرفة لمصر خارج المستطيل الأخضر. وكان الموقف الإنساني الداعم للقضية الفلسطينية حاضرًا بقوة من خلال رسائل الجهاز الفني والمواقف التي لاقت احترامًا واسعًا حول العالم. وقد أكدت تصريحات حسام حسن المدير الفني أن الرياضة يمكن أن تكون منصة للدفاع عن المبادئ والقيم خلال أكبر حدث رياضي يتابعه مئات الملايين.
جاءت مباراة الأرجنتين لتضيف فصلًا جديدًا إلى القصة، فرغم الجدل الذي أثارته القرارات التحكيمية خلال المواجهة، والتي اعتبرها الكثيرون ظلمًا واضحًا للمنتخب المصري حرمه من مواصلة مشواره، فقد كانت ردود فعل عدد من نجوم اللعبة والإعلام العالمي تعكس مدى الإحباط الذي شعر به الجميع.
ومن هنا اكتسب التكريم الرئاسي قيمة أكبر؛ إذ لم يكن مجرد مكافأة على نتيجة مباراة بل تقدير لفريق قاتل بشرف وقدم نموذجاً يستحق الاحترام.
خلال كلماته، أرسل الرئيس السيسي أربع رسائل مباشرة لا تقل أهمية عن الإنجاز ذاته. أولى هذه الرسائل كانت تجديد الثقة في المدرب الوطني حسام حسن، مما يؤكد أن النجاح الحقيقي يتطلب الاستقرار ولا يجب أن يكون رهينة ردود الأفعال.
أما الرسالة الثانية فكانت تتعلق بأهمية الاهتمام بمنظومة اكتشاف المواهب وتوسيع قاعدة الكشافين والعمل على صناعة أجيال جديدة قادرة على تكرار تجربة محمد صلاح بدلاً من انتظار ظهور الموهبة بالصدفة.
الرسالة الثالثة أكدت أن المنتخب الوطني ليس مجرد فريق كرة قدم بل أحد أهم مصادر القوة الناعمة، وأن نجاحه ينعكس مباشرة على الحالة المعنوية للشعب المصري، وهو ما تجلى بوضوح في حالة الالتفاف الجماهيري غير المسبوقة بعد سنوات من الفتور وفقدان الثقة.
أما الرسالة الرابعة فكانت تحملها عبارة الرئيس: “أنتم أدخلتم الفرحة والبهجة على الناس لأن الأداء كان فيه ندية وقيم… في وقت القيم ليست مطلوبة كثيراً في الدنيا التي نعيش فيها”. هذه الكلمات لم تكن مجرد إشادة بالأداء بل كانت تقديرًا للموقف الأخلاقي والإنساني الذي جسده المنتخب ورسالة تؤكد أن الدولة المصرية ترى أن الدفاع عن القيم لا يقل أهمية عن الفوز بالمباريات.
ورغم كل مشاعر الفخر والفرحة، يجب ألا يدفعنا الإنجاز للاكتفاء بالاحتفال؛ فما تحقق جاء نتيجة عمل وجهد وإصرار في ظروف استثنائية لكنه لا يزال بحاجة إلى تحويله إلى نقطة انطلاق لمشروع كروي متكامل.
تُبرز التجربة المغربية كنموذج يستحق الدراسة؛ إذ لم يصل المغرب إلى ما وصل إليه بالمصادفة بل عبر استراتيجية طويلة المدى تعتمد على التخطيط العلمي وتطوير الأكاديميات والاستثمار في المواهب وربط الداخل بالخارج حتى أصبح حضوره في الأدوار المتقدمة للبطولات الكبرى أمرًا طبيعيًا وليس مفاجأة.
تمتلك مصر الإمكانات البشرية والجماهير والتاريخ لكنها تحتاج إلى مشروع مؤسسي طويل الأمد يقوم على العلم والكفاءة ويعيد بناء منظومة كرة القدم من القاعدة إلى القمة.
نريد عشرات المحترفين في أكبر الدوريات الأوروبية ودوري مصري يستعيد مكانته كواحد من أقوى الدوريات العربية والإفريقية ومدرجات ممتلئة بالجماهير لأن كرة القدم خُلقت للجماهير ولا تكتمل متعتها إلا بوجودها.
لقد كان تكريم الرئيس السيسي رسالة بأن الدولة تُقدّر كل من يجتهد ويشرف اسم مصر حتى وإن لم يعد بالكأس. ويبقى التحدي الحقيقي الآن هو تحويل هذا التكريم إلى بداية مشروع وطني جديد يجعل ما تحقق في هذا المونديال بداية طريق لا مجرد ذكرى جميلة في تاريخ الكرة المصرية.

