تواجه البشرية اليوم مفترق طرق خطير قد يعيد تشكيل ملامح التوازن الاستراتيجي خارج الغلاف الجوي، حيث تتصاعد المخاوف من احتمال أن تكون موسكو على وشك كسر أحد المحرمات الدولية من خلال نشر سلاح نووي في الفضاء. وبينما تترقب العواصم الغربية تحركات الكرملين بقلق بالغ، يبرز حل علمي واعد من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، قد يكون بمثابة “عين رقابية” قادرة على كشف أي خرق مستقبلي لمعاهدة الفضاء الخارجي.
في خضم التوترات التي سبقت الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، أُطلق صاروخ “سويوز-1ر2 أ” من قاعدة بليسيتسك الفضائية، حاملاً معه حمولة لم تكشف عنها وزارة الدفاع الروسية. ومع ذلك، كان مساره غير المألوف، الذي استقر على ارتفاع يقارب 2000 كيلومتر، كافياً لإطلاق جرس إنذار داخل قيادة الفضاء الأمريكية، وفقًا لما كشفت عنه مجلة “دير شبيغل”.
عزز هذا التحرك تسريبات استخباراتية لصحيفة “فايننشال تايمز”، زعمت أن روسيا تعمل على تطوير سلاح نووي مضاد للأقمار الصناعية، في خطوة قد تنتهك صراحة معاهدة عام 1967 التي تحظر عسكرة الفضاء وتكرس استخدامه للأغراض السلمية والعلمية.
في مواجهة هذه التهديدات المتزايدة، برزت دراسة علمية جديدة في مجلة “نيتشر” قدمها الخبير النووي أريك داناغوليان، الذي اقترح تطوير قمر صناعي بحجم علبة الأحذية قادر على رصد وجود الأسلحة النووية في المدار بدقة عالية.
يعتمد المبدأ العلمي لهذا المكشاف الصغير على تحليل جسيمات النيوترون المنبعثة من تفاعل اليورانيوم داخل السلاح النووي مع البروتونات المحتجزة ضمن المجال المغناطيسي للأرض. وبوزن لا يتجاوز 100 كيلوغرام ومكونات متاحة تجاريًا، يرى داناغوليان أن هذه التقنية قد تشكل “آلية ردع رقابية” قادرة على تجميد أي سباق تسلح نووي في الفضاء.
أقرت أنجيلا دى فولفيو، الأستاذة المشاركة في جامعة إلينوى، بأن هذه التقنية لا تزال في مراحلها الأولى وتحتاج إلى مزيد من التطوير. لكنها شددت على أنها قد تشكل أداة فريدة لسد الفجوة الرقابية في معاهدة الفضاء الخارجي، إذ لا توجد حاليًا أي وسيلة فنية للتحقق من التزام الدول بعدم نشر الأسلحة.
من شأن هذه الآلية بحسب دى فولفيو أن تكمل منظومة “الردع عبر الحرمان” التي تستخدمها الدول لحماية أقمارها الصناعية عبر المناورات المدارية وتقنيات مقاومة التشويش، مما يعزز أمن البنى التحتية الفضائية الحيوية.
كما وصف ميشائيل تراوت، قائد قيادة الفضاء في الجيش الألماني، مجرد احتمال وضع رأس نووي في المدار بأنه “مثير للصدمة” محذرًا من عواقب كارثية قد تطال أقمار الاتصالات والإنترنت وتعطل شبكات الاستطلاع العسكري والملاحة في سيناريو يهدد النسيج الحضاري بأكمله.
يبقى السؤال: هل ينجح المجتمع الدولي في تحويل هذه التهديدات إلى فرصة لتطوير أنظمة رقابة فعالة؟ أم أن الأوان قد فات ونحن على أعتاب مرحلة جديدة من التسلح الفضائي بعد أن أصبح ساحة جديدة للصراع بين القوى العظمى؟

