سلّط تقرير أمريكي حديث الضوء على واقع وتوجهات الزراعة المستدامة في منطقة شمال إفريقيا، حيث منح الجزائر تقييما عاما بدرجة B- ضمن مؤشر الزراعة المستدامة، وهو تصنيف يضعها ضمن قائمة الدول التي تمتلك برامج استثمارية قائمة ومسارات إصلاحية تسجل مؤشرات تحسن ملموسة.
كما يعكس هذا التقييم وجود جهود متواصلة لتعزيز فعالية القطاع الزراعي وتحسين إدارة الموارد، مع إبراز الحاجة إلى رفع كفاءة استخدام المياه وتسريع مردودية المشاريع التنموية لتحقيق نتائج أكبر وأكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.
وبرزت الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، ضمن مسار استثماري واسع يهدف إلى إعادة تشكيل منظومتها المائية والزراعية وفق رؤية تعتمد على تنويع مصادر المياه وتحسين كفاءة استغلال الموارد الطبيعية وتطوير أساليب الإنتاج الزراعي. وتقوم هذه المقاربة على توسيع قدرات تحلية مياه البحر، وتحديث التقنيات الزراعية، وتطوير البنية التحتية للري، في إطار توجه يستهدف تعزيز الأمن المائي والغذائي وتقليص تأثير التقلبات المناخية على مختلف القطاعات الحيوية.
مؤشر B- يعكس مسار تطوير الزراعة الجزائرية.
يرى المهندس الزراعي، عبد المجيد صغيري، عضو المكتب التنفيذي للاتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن حصول الجزائر على تقييم عام بدرجة B- ضمن مؤشر الزراعة المستدامة في شمال إفريقيا لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد تصنيف رقمي أو نتيجة تقنية مرتبطة بمؤشرات إحصائية، بل يمثل مؤشرا اقتصاديا وتنمويا يعكس مستوى التحول الذي تشهده البلاد في إدارة ملفات المياه والزراعة والأمن الغذائي.
ويؤكد أن هذا التصنيف ينبغي أن يتم من زاوية أوسع، لأن التقرير لا يقيس فقط حجم الإنتاج الزراعي أو المساحات المستغلة، وإنما يقيم قدرة الدول على بناء منظومات زراعية مستدامة قادرة على الصمود أمام التحديات المناخية والاقتصادية والبيئية.
ويضيف أن حصول الجزائر على تقييم C+ في موثوقية الموارد المائية، وB- في كفاءة استخدام المياه، وC+ في استدامة الأراضي الزراعية، وB- في اقتصاد قطاع الغذاء، مع تقييم إجمالي B- يعني أن الجزائر توجد ضمن فئة الأداء المتوسط القابل للتحسن، وهي فئة تضم الدول التي قطعت أشواطا في إطلاق المشاريع والإصلاحات لكنها ما تزال تحتاج إلى رفع كفاءة التنفيذ وتحسين مردودية الاستثمارات.
ومن الناحية الاقتصادية، يرى صغيري أن هذا التصنيف يحمل رسالة إيجابية، لأنه يضع الجزائر ضمن الدول التي انتقلت من مرحلة معالجة الأزمات الظرفية إلى مرحلة بناء سياسات طويلة المدى.
ويشير عبد المجيد صغيري إلى أن أهمية هذه النتيجة تتضح أكثر عند مقارنتها ببقية دول شمال إفريقيا، فقد جاءت الجزائر ضمن نفس مستوى الأداء المسجل في مصر وتونس، وبموقع أفضل مقارنة بليبيا وموريتانيا والسودان، بينما سجل المغرب تقييما عاما بدرجة B.
ويرى أن هذا الترتيب يكتسب أهمية كبيرة بالنظر إلى الخصائص الجغرافية والطبيعية التي تواجه الجزائر. فالجزائر ليست بلدا صغير المساحة أو محدود التحديات المناخية، بل هي دولة ذات امتداد جغرافي واسع، حيث تشكل المناطق الصحراوية الجزء الأكبر من مساحتها الإجمالية، وهو ما يجعل إدارة الموارد المائية أكثر تعقيدا مقارنة بدول أخرى.
كما أن الضغط على الموارد المائية التقليدية أصبح يشكل تحديا متزايدا بفعل تغير أنماط التساقطات وتراجع مخزون بعض السدود وارتفاع الطلب على المياه نتيجة التوسع العمراني والاقتصادي.
ولهذا فإن حصول الجزائر على هذا التصنيف يعكس قدرة نسبية على التكيف مع هذه التحديات من خلال برامج استثمارية ومشاريع مهيكلة.
ماذا نقصد بتقييم عام بدرجة B- ضمن مؤشر الزراعة المستدامة؟
التقييم العام بدرجة B- ضمن مؤشر الزراعة المستدامة يعني أن الدولة حققت أداء متوسطا إلى جيد نسبيا في إدارة وتطوير قطاعها الزراعي وفق معايير الاستدامة، لكنها ما تزال بحاجة إلى تحسين بعض الجوانب لرفع كفاءتها وبلوغ مستويات أعلى.
درجة B- تعني أن الدولة:
• تمتلك برامج واستثمارات ومشاريع قائمة في مجالات المياه والزراعة والأمن الغذائي.
• تحقق مؤشرات إيجابية وتقدماً نسبيا مقارنة ببعض الدول الأخرى.
• لديها قدرة على مواجهة جزء من التحديات المرتبطة بالمياه والإنتاج الزراعي.
• لكنها لا تزال تواجه نقاط ضعف تحتاج إلى تطوير مثل تحسين كفاءة استخدام المياه، رفع مردودية الأراضي الزراعية، حماية الموارد الطبيعية وتسريع نتائج المشاريع المنجزة. وفي حالة الجزائر تحديدا فإن هذا التقييم لا يعني وجود أزمة أو فشل بل يعني أن البلاد توجد في مرحلة انتقالية بين بناء الأسس وتحقيق نتائج أكثر تقدما.
ويرى صغيري أن الاستثمارات التي تتجاوز سبع مليارات دولار في مجالات المياه والزراعة ليست مجرد أرقام مالية وإنما تمثل مؤشرات واضحة على وجود إرادة استراتيجية لإعادة بناء منظومة الأمن المائي والغذائي. ففي السابق كانت الحلول تعتمد بصورة كبيرة على التدخلات الآنية لمعالجة فترات الجفاف أو النقص المسجل في الموارد المائية ولكن ما يحدث اليوم يعكس توجها مختلفا يقوم على إنشاء بنية تحتية قادرة على ضمان الاستدامة على المدى الطويل.

ويضيف أن توجيه استثمارات ضخمة نحو مشاريع المياه والزراعة يعني أن الدولة أصبحت تنظر إلى الأمن الغذائي باعتباره قضية سيادية واستراتيجية ترتبط بالأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. كما أن هذه المشاريع لا تنعكس آثارها فقط على القطاع الزراعي بل تمتد إلى الصناعة والطاقة والاستثمار والتشغيل.
فكل مشروع جديد في مجال المياه أو الزراعة يخلق سلاسل اقتصادية جديدة تشمل النقل والخدمات والتجهيزات والتكنولوجيا والتشغيل.
ويعتبر صغيري أن أحد أهم المؤشرات التي أبرزها التقرير الأمريكي يتمثل في برنامج إنشاء 11 محطة لتحلية مياه البحر باستثمارات تصل إلى 5,4 مليارات دولار. فالمشروع يحمل أبعادا استراتيجية تتجاوز مسألة توفير مياه الشرب فقط.
فالجزائر كانت تعتمد تاريخيا على الموارد التقليدية المتمثلة في السدود والمياه الجوفية والأمطار ولكن هذه الموارد أصبحت تواجه ضغوطا متزايدة بفعل التغيرات المناخية وتذبذب التساقطات ومن هنا جاءت أهمية التحول نحو الموارد غير التقليدية. فالتحلية تمثل اليوم أحد أهم الحلول المستدامة التي تسمح ببناء مصادر مائية مستقرة وأقل ارتباطا بالتقلبات المناخية.
ويضيف أن الهدف المتمثل في تغطية 60 بالمئة من الطلب الوطني على مياه الشرب بحلول سنة 2030 يعكس وجود رؤية طويلة المدى تهدف إلى تقليص الاعتماد على الموارد التقليدية. ويؤكد صغيري أن النظر إلى محطات التحلية باعتبارها مشاريع مائية فقط يعد قراءة ضيقة للأمر. ففي الواقع تمثل هذه المشاريع بنية تحتية اقتصادية متكاملة لها انعكاسات مباشرة على عدة قطاعات إذ إن تخفيف الضغط عن السدود والموارد التقليدية يمنح هامشا أكبر لتوزيع المياه بين الاستعمالات المختلفة سواء تعلق الأمر بمياه الشرب أو الزراعة أو الصناعة.
كما أن هذه المشاريع تمنح الاقتصاد الوطني قدرة أكبر على التكيف مع فترات الجفاف وتراجع التساقطات ومن الناحية الاقتصادية فإن استقرار التزود بالمياه يمثل عاملا أساسيا لجذب الاستثمار وضمان استمرار النشاط الاقتصادي.
60 بالمئة من المياه موجهة للزراعة والتحدي يكمن في الكفاءة.
ويشير صغيري إلى أن التقرير كشف معطى بالغ الأهمية يتمثل في أن حوالي 60 بالمئة من محفظة المياه في الجزائر توجه للقطاع الزراعي.
ويرى أن هذه النسبة تؤكد أن مستقبل الأمن المائي مرتبط بصورة مباشرة بمستقبل القطاع الفلاحي ولكن التحدي الحقيقي لا يتعلق بحجم المياه فقط بل بطريقة استعمالها.
فالتقرير يشير إلى أن متوسط كفاءة استخدام المياه في مزارع البستنة الصغيرة يقدر بحوالي 61 بالمئة ما يعني أن هناك هامشا كبيرا للتحسين. فرفع كفاءة استعمال المياه يمكن أن يسمح بإنتاج أكبر دون الحاجة إلى استهلاك موارد إضافية. ويرى صغيري أن جزءا مهما من رهان الأمن الغذائي مستقبلا لن يعتمد فقط على بناء السدود أو محطات التحلية أو شبكات الري وإنما سيعتمد أيضا على طريقة استخدام المياه داخل الحقول ولهذا فإن توسيع برامج الإرشاد الزراعي وتكوين الفلاحين واعتماد تقنيات الري الحديثة أصبح ضرورة اقتصادية وليست مجرد خيار تقني. فالاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا الزراعية أصبح يوازي في أهميته الاستثمار في البنية التحتية.
وأكد عبد المجيد صغيري أن الجزائر بدأت فعليا الانتقال من منطق إدارة الندرة إلى منطق صناعة الموارد ومن معالجة الأزمات المؤقتة إلى بناء منظومة مائية وغذائية أكثر قدرة على الصمود غير أن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطا باستمرار الاستثمار وتحسين الحوكمة ورفع كفاءة استغلال الموارد المتاحة.
وتنسجم توصيات التقرير الإقليمية مع أولويات الجزائر. فقد دعا صغيري إلى رفع كفاءة استخدام المياه الزراعية وتنويع مصادر المياه عبر التحلية وإعادة استعمال المياه المستعملة وحماية الأراضي الزراعية وصحة التربة وبناء مرونة أنظمة الغذاء وتعزيز المؤسسات والحوكمة. وبالنسبة للجزائر فإن كثيرا من هذه المسارات دخل مرحلة التنفيذ فعلا خاصة في التحلية والري وتحديث وسائل الإنتاج.
ويمثل الاستثمار في التحلية أحد أهم عناصر القوة في الحالة الجزائرية. فبينما تعاني دول شمال إفريقيا من محدودية الموارد غير التقليدية أو بطء توسيعها تضع الجزائر هدفا واضحا يتمثل في تغطية 60 بالمائة من مياه الشرب عبر التحلية بحلول 2030. وإذا تحقق هذا الهدف فسيغير هيكل الأمن المائي الوطني ويخفف الاعتماد على الأمطار والسدود ويمنح القطاعات المنتجة رؤية أكثر استقرارا.

