كشفت تقارير وتحليلات نشرتها صحف إسرائيلية، عن تصاعد المخاوف داخل الأوساط السياسية والعسكرية في إسرائيل من تداعيات التفاهم الأمريكي ـ الإيراني الأخير، معتبرة أن واشنطن فرضت واقعًا جديدًا في لبنان حدّ من حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، وأعاد رسم قواعد إدارة الملف اللبناني بعيدًا عن التأثير الإسرائيلي المباشر.
«هآرتس»: إسرائيل لم تعد صاحبة القرار الأول في الملف اللبناني
وفي تقرير حمل عنوان “نتنياهو وكاتس يعدان بحرية عمل في لبنان ويذران الرماد في عيون الجمهور”، قال المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هرئيل إن الإدارة الأمريكية نجحت، حتى الآن، في فرض وقف فعلي لإطلاق النار بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، مشيرًا إلى أن وتيرة المواجهات العسكرية بين الطرفين تراجعت بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح هرئيل أن الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل تقليص جزء من قواته المنتشرة في جنوب لبنان، كما خففت قيادة الجبهة الداخلية القيود والإجراءات المفروضة على سكان المناطق الحدودية، رغم استمرار التصريحات الرسمية الصادرة عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير بشأن استمرار السيطرة على ما تصفه إسرائيل بـ “المنطقة الأمنية”.
وأشار إلى أن نتنياهو أكد في بيان رسمي أن الجيش لا يزال يتمتع بحرية كاملة في التعامل مع أي تهديدات ضد قواته أو سكان شمال إسرائيل، إلا أن الوقائع على الأرض، حسب هرئيل، تعكس صورة مختلفة تمامًا.
واتهم المحلل العسكري رئيس الوزراء ووزير الدفاع بعدم تقديم الصورة الكاملة للرأي العام الإسرائيلي، معتبرًا أن هناك محاولات متعمدة لإخفاء حجم القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان.
وأوضح أن واشنطن فرضت منذ نهاية الأسبوع الماضي قيودًا على النشاط الهجومي الإسرائيلي، وذلك عقب سلسلة من الأحداث الأمنية التي شهدت مقتل ستة جنود إسرائيليين في منطقة علي الطاهر ضمن القطاع الأوسط من جنوب لبنان.
ووفقًا للتقرير، فإن التوجيه الأمريكي الحالي يقضي بوقف العمليات العسكرية الهجومية والاكتفاء بالرد على التهديدات المباشرة فقط، دون أن يتضمن في الوقت الراهن أي مطلب بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تسيطر عليها داخل الأراضي اللبنانية.
وكشف هرئيل أن الجيش الإسرائيلي كان يستعد لتفجير منشأة تحت الأرض تابعة لحزب الله في بلدة مجدل زون، قال إنها كانت تستخدم في إنتاج الطائرات المسيّرة، إلا أن العملية أُلغيت في اللحظات الأخيرة بقرار صادر عن المستوى السياسي.
ورأى أن الحكومة الإسرائيلية تحاول التقليل من أهمية التحولات الجارية في لبنان، في الوقت الذي فرضت فيه الولايات المتحدة واقعًا جديدًا على الأرض، معربًا عن اعتقاده بأن فرص تغيير هذا الواقع تبدو محدودة في ظل رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تثبيت الاستقرار بالمنطقة وتهيئة الأجواء لترتيبات أمنية وسياسية أوسع في الشرق الأوسط.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه حكومة نتنياهو انتقادات متزايدة من المعارضة الإسرائيلية، التي اتهمته بالفشل في التأثير على مسار المفاوضات الأمريكية مع إيران، واعتبرت أن التفاهمات الأخيرة كشفت تراجع النفوذ الإسرائيلي في دوائر صنع القرار الأمريكية.
وفي السياق ذاته، تحدثت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن استعدادات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية للانتقال إلى مرحلة جديدة في جنوب لبنان، تتضمن إعادة تموضع القوات في مواقع دفاعية أكثر أمانًا وفعالية.
وأشارت الصحيفة إلى أن طبيعة الأنشطة الهندسية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في المنطقة شهدت تغيرًا ملحوظًا، حيث بات التركيز الأكبر على فتح وتأهيل الطرق بدلًا من عمليات هدم المباني التي كانت تشكل جزءًا رئيسيًا من العمليات السابقة.
وأضافت أن التصريحات المتكررة الصادرة عن نتنياهو وكاتس بشأن حرية استخدام القوة داخل لبنان تستهدف طمأنة الرأي العام الإسرائيلي ونفي الانطباع السائد بأن الجيش بات مقيدًا في تنفيذ عملياته داخل العمق اللبناني.
ورغم تأكيد الجيش الإسرائيلي أنه لم يبدأ بعد تنفيذ انسحاب فعلي من جنوب لبنان، فإن الصحيفة رأت أن المؤشرات الميدانية الحالية تعكس استعدادًا واضحًا لترسيخ الوجود العسكري في مواقع دفاعية جديدة بدلًا من التوسع العملياتي.
من جانبها، ركزت صحيفة “معاريف” على البعد السياسي للتفاهم الأمريكي ـ الإيراني، معتبرة أن إيران حققت مكسبًا استراتيجيًا عبر دخولها طرفًا مؤثرًا في الترتيبات الخاصة بالملف اللبناني.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن المشكلة لا تتعلق فقط بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية، وإنما بمنح طهران دورًا مباشرًا وشرعيًا في إدارة ترتيبات تخص لبنان، وهو ما تعتبره إسرائيل تطورًا مقلقًا.
وأضاف المسؤولون أن التفاوض مع إيران كخصم سياسي أمر مختلف عن إشراكها في ترتيبات أمنية وإقليمية تخص الساحة اللبنانية، معتبرين أن ذلك يمثل إنجازًا سياسيًا واضحًا لطهران.
وأشارت الصحيفة إلى أن إيران كانت تطالب منذ بداية المفاوضات بربط الملف اللبناني بالتفاهمات الأشمل مع الولايات المتحدة، كما كانت ترفض استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وفي تطور آخر، لفت تقرير “هآرتس” إلى بيان مشترك صدر عن قطر وباكستان عقب جولة مفاوضات عقدت في سويسرا، تضمن الإعلان عن إنشاء خلية خاصة لمنع الاحتكاك العسكري في لبنان ومتابعة تنفيذ ترتيبات وقف التصعيد.
ورأى التقرير أن الصياغة التي وردت في البيان تعكس استبعاد إسرائيل من الآلية الجديدة، وهو ما يراه مراقبون مؤشرًا على تراجع دورها في إدارة التطورات الأمنية اللبنانية، وانتقال جزء من هذا الدور إلى أطراف أخرى ضمن التفاهمات الإقليمية الجديدة.
وكانت هيئة البث الإسرائيلية قد ذكرت أن تل أبيب رفضت المشاركة في الآلية الجديدة بسبب وجود إيران ضمن الأطراف المنخرطة فيها، ما يعكس حجم التوتر السياسي الذي يحيط بالترتيبات الجديدة الخاصة بلبنان.

