يُعتبر الدكتور علي جمعة من أبرز المفسرين للقرآن الكريم في عصرنا الحالي، حيث يتبنى منهجًا فريدًا يجمع بين النص القرآني والواقع المعاصر بسلاسة ووضوح، مستندًا إلى القواعد الأصولية والفقهية، ويُبرز الجوانب الروحية ويقدم تفسيرًا موضوعيًا لبيان مقاصد السور.

وفيما يتعلق بتفسيره لسورة الفلق، يدعو فضيلته للاستعاذة بالله تعالى من جميع الشرور التي قد تصيب الإنسان في دينه أو دنياه. فلنتأمل تفسير العالم الجليل الدكتور علي جمعة:.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. والفلق هو الصبح الذي يشق ظلمة الليل، مما يُشير إلى قدرة الله سبحانه وتعالى على إخراج النور من الظلام، والفرج من الشدة.

تشرق الشمس كل يوم ثم تغرب، ويأتي الظلام ثم ينقشع، وتتغير الأحوال وتتقلب. ولا دائم إلا الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. فإذا أردت خير الدنيا والآخرة، وإذا خشيت المصائب والشرور، فالجأ إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإما أن يصرف عنك البلاء، وإما أن يعينك عليه.

وإما أن يكتب لك بالصبر والاحتساب الأجر ورفعة الدرجات. وما دام العبد مؤمنًا بالله، قائمًا بأمره، صابرًا محتسبًا، فهو في معية الله وحفظه؛ في حال السعة والضيق، وفي حال القوة والضعف، وفي حال النصر والابتلاء.

ويعلّمنا ربنا سبحانه وتعالى أن نستعيذ به في شأن ديننا ودنيانا. فإذا كان الأمر متعلقًا بالدنيا أخذنا بالأسباب من دون هلع، وأجملنا في الطلب من دون تبرم أو جزع. أما إذا كان الأمر متعلقًا بالدين والآخرة بادرنا إلى التوبة وكررنا اللجوء إلى الله وتمسكنا بهدايته: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. وقد عبّر سبحانه وتعالى بلفظ ﴿رَبِّ﴾؛ لأن الرب هو الذي يخلق ويربي ويدبر ويحفظ وهو الذي يُلجأ إليه ويستعاذ به من كل شر.

ثم قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. وهي عبارة واسعة تشمل الاستعاذة بالله من كل شر قد يصيب الإنسان في دينه أو دنياه، سواء أكان صادرًا عن إنسان أو جانٍّ أم ناشئًا عن سبب خفي أو ظاهر.

وليس معنى ذلك أن كل ما خلقه الله شر؛ وإنما نستعيذ به سبحانه من الشر الذي قد يقع من بعض مخلوقاته أو بسببها.

ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. والغاسق هو الليل إذا أقبل واشتدت ظلمته على أشهر أقوال المفسرين، و﴿وَقَبَ﴾ تعني دخل وأقبل وتغلغل.

فالليل في ذاته آية من آيات الله ونعمة من نعمه، ولكن قد تنتشر في ظلمته بعض الشرور؛ لذا يستعيذ المؤمن بربه منها ويلجأ إلى حفظه وعنايته. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾.
والمراد الاستعاذة بالله من شر السحر وأهله وما يصدر عن النفوس الخبيثة من أذى ومكر واستعانة بالباطل لإلحاق الضرر بالناس.

فماذا نفعل عندما نرى الشر أو نخشى الغاسق إذا وقب أو نواجه مكر النفوس وأذى الخلق؟ نستعيذ بالله؛ ولكن كيف تكون الاستعاذة بالله؟ تكون بالإيمان به وإعلان توحيده والاعتماد عليه والامتثال لأمره والابتعاد عما نهى عنه مع الأخذ بالأسباب المشروعة لدفع الشر.

فالاستعاذة ليست مجرد كلمات تُتلى باللسان فقط؛ بل هي حالة يعيشها المؤمن بقلبه وعقله وسلوكه. نستعيذ بالله بألسنتنا حين نقول: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ونستعيذ به بقلوبنا حين نثق بحفظه وقدرته ونستعيذ به بأفعالنا حين نلتزم أمره ونبتعد عن المعصية ونأخذ بأسباب الوقاية والإصلاح.
فلا يكفي أن نتلو الاستعاذة؛ بل ينبغي أن نعيش معناها. عِش معنى الاستعاذة بالله إيمانًا واعتصامًا وامتثالًا تجد ربَّ الفلق يخرجك من ظلمات الخوف إلى نور السكينة والأمان.