د. منى طه عامر.
الأربعاء 15/يوليو/2026 – 05:24 م .
يعتبر قانون الأسرة من أهم القوانين التي تحكم المجتمع، حيث تشكل الأسرة اللبنة الأساسية التي تقوم عليها الأمم وتنهض بها المجتمعات والدول. إذا صلحت الأسرة، صلح المجتمع، وإذا فسدت، فسد المجتمع. لذا، فإن استقامة القانون المنظم للأسرة والمجتمع تساهم في بناء مجتمع متوازن وناجح.
تبدأ تكوين الأسرة بعقد الزواج الذي يُعتبر من أعظم المواثيق عند الله تعالى. وقد أحاطت الشريعة الإسلامية والقرآن الكريم والسنة النبوية بالعديد من الأحكام نظراً لأهمية هذا العقد، الذي يعد أول لبنة لبناء المجتمع. لذلك، يجب أن نولي هذا القانون رعاية خاصة.
عند اطلاعي على مشروع قانون الأسرة الجديد بعد موافقة مجلس الوزراء وإحالته إلى مجلس النواب، استوقفتني بعض نصوص المواد وأثارت تساؤلات حول آثارها الاجتماعية السلبية بعد التطبيق الفعلي وما قد ينتج عنها من تبعات تؤثر على أبنائنا وأحفادنا وتضر بالمجتمع والدولة.
واستوقفتني نص المادة (16) من مشروع القانون التي تنص على أن “للرجل والمرأة أهلية مباشرة عقد زواجهما وتوثيقه بتمام ثمانية عشرة سنة ميلادية كاملة”. مفهوم هذا النص يعني أن البنت والولد عندما يبلغان عمر الثمانية عشرة عاماً يحق لكل منهما الزواج بإرادته المنفردة وبشكل مستقل حتى دون علم أسرتهما.
يتعلق الأمر بأمر شرعي يتطلب تناول الجانب الشرعي أولاً ثم الجانب الاجتماعي وتأثيره. حيث أجمع جمهور العلماء (المالكية والشافعية والحنابلة) على أن الولي شرط صحة في عقد الزواج ولا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها. بينما يرى المذهب الحنفي المعمول به في مصر أن الفتاة البالغة العاقلة التي تجاوزت عمر الـ 18 عاماً لها ولاية على نفسها في شؤونها المالية والاجتماعية، وبالتالي يجوز لها أن تزوج نفسها بشرطين: الأول أن تتزوج من رجل كفء لها اجتماعياً ودينياً والثاني بمهر مثلها مثل قريباتها.
كما كان للأزهر الشريف رأي في هذا الشأن، حيث أكد أنه بالرغم من عدم اشتراط وجود الولي لصحة عقد الزواج، إلا أنه يُستحب شرعاً لضمان تكريم الروابط الأسرية وصون كرامة الأنثى.
أما عن الآثار الاجتماعية السلبية لنص هذه المادة، فإن تجاهل رأي الأسرة وخاصة الوالدين وولي الأمر يعتبر إهانة لهم، خاصة إذا كان الأبناء صغار السن. فكيف يمكن لفتاة صغيرة أن تقيم أمر الرجل الذي يتقدم لها؟ إذا كان الرجل ذو خلق ودين فلن يقبل الزواج بفتاة دون علم وليها وأهلها.
في رأيي الشخصي، يعتبر زواج الإبنة بدون موافقة أهلها عقوقاً ويُحرم الوالدين من فرحة حصاد تربيتهم لأبنائهم. وإذا ما تم تفعيل هذه المادة بهذا النص، سنجد مجتمعاً مفككاً يعج بمحاكم الأسرة بقضايا النفقة وحقوق أطفال ينتمون لأباء وأمهات غير مسؤولين.
لذا يتعين على المشرع المصري الإسراع بتعديل هذا النص بإضافة شرط الزواج بولي وشاهدي عدل للبنت البكر تفادياً لمشاكل مستقبلية خطيرة. كما يجب ألا يتجاهل المشرع أننا عرب مسلمون شرقيون والعرف يعتبر مصدراً من مصادر التشريع بعد الشريعة الإسلامية.
أستاذ القانون المدني
المحكم الدولي.

