بمناسبة اليوم العالمي للسكان.
في عالمٍ يشهد تسارعًا في وتيرة التغيرات، وتتعاظم فيه التحديات المرتبطة بالنمو السكاني والموارد والتنمية المستدامة، يظل اليوم العالمي للسكان مناسبةً مهمة لتجديد الالتزام الدولي بقضايا الإنسان، ولا سيما ما يتعلق بالصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر.
وأصبحت القضايا السكانية اليوم لا تُقاس بالأرقام فحسب، بل تعكس مؤشرات حيوية لجودة الحياة ومستويات التنمية.
الجهاز المركزي للإحصاء يستعرض المؤشرات السكانية
أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بيانًا صحفيًا بمناسبة اليوم العالمي للسكان، الذي يوافق الحادي عشر من يوليو من كل عام، وهو اليوم الذي بدأ الاحتفال به منذ عام 1987، بالتزامن مع وصول عدد سكان العالم إلى خمسة مليارات نسمة. وجاء احتفال هذا العام تحت شعار “تحقيق آمال وتطلعات الشباب… اليوم ومن أجل المستقبل”، تأكيدًا على أن الاستثمار في الشباب يمثل ركيزة أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وأن معالجة القضايا السكانية تتطلب تكامل السياسات، وتنسيق الجهود بين مختلف المؤسسات الوطنية والدولية.
واستعرض البيان أبرز ملامح الوضع السكاني على المستويين العالمي والمحلي، مع تسليط الضوء على المؤشرات الديموجرافية في مصر، وانعكاساتها على خطط التنمية وصياغة السياسات العامة بما يضمن تحقيق التوازن بين النمو السكاني وتحسين جودة الحياة وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.
المؤشرات العالمية تكشف استمرار النمو السكاني
أظهرت تقديرات شعبة السكان التابعة للأمم المتحدة وفق مراجعة عام 2024 أن عدد سكان العالم بلغ نحو 8.3 مليار نسمة في الأول من يوليو 2026. واستحوذت الدول الأكثر تقدمًا والتي تضم أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا واليابان على نحو 1.3 مليار نسمة، بينما بلغ عدد سكان الدول الأقل تقدمًا التي تشمل إفريقيا ومعظم دول آسيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي نحو 7 مليارات نسمة.
وأوضحت البيانات أن الهند والصين واصلت تصدر قائمة الدول الأكثر سكانًا إذ تمثلان معًا نحو 35% من إجمالي سكان العالم خلال عام 2026، فيما جاءت مصر في المرتبة الثالثة عشرة عالميًا والثالثة على مستوى القارة الإفريقية والأولى عربيًا من حيث عدد السكان.
التوقعات السكانية تشير إلى تغيرات ديموجرافية
أكدت التقديرات الدولية أن عدد سكان العالم مرشح للارتفاع إلى نحو 8.9 مليار نسمة بحلول عام 2035 ثم إلى 9.7 مليار نسمة بحلول عام 2050 مع استمرار الهند في صدارة الدول الأكثر سكانًا تليها الصين رغم تراجع حصتهما النسبية من إجمالي سكان العالم نتيجة التحولات الديموجرافية المتوقعة خاصة في القارة الآسيوية.
وأشارت التوقعات كذلك إلى احتفاظ مصر بالمرتبة الثالثة عشرة عالميًا حتى عام 2035 قبل أن تتقدم إلى المرتبة الحادية عشرة عالميًا بحلول منتصف القرن في ظل استمرار النمو السكاني بوتيرة متوازنة مدعومًا بالسياسات السكانية والتنموية التي تستهدف تحسين الخصائص السكانية وتعزيز الاستثمار في رأس المال البشري وتحقيق تنمية أكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.
المؤشرات السكانية في مصر تعكس تحولات ديموجرافية
أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2026 وفق الزيادة الطبيعية للسكان استمرار النمو السكاني في مصر مع تسجيل تطورات مهمة في عدد من المؤشرات الديموجرافية التي تعكس تأثير السياسات السكانية وجهود الدولة خلال السنوات الأخيرة. وأكدت البيانات أن عدد سكان مصر ارتفع من 94.8 مليون نسمة عام 2017 إلى 108.6 مليون نسمة في بداية عام 2026 بزيادة بلغت 13.8 مليون نسمة يمثل الذكور منهم 51.4% مقابل 48.6% للإناث فيما بلغت نسبة النوع 105.6 ذكر لكل 100 أنثى.
وأوضحت البيانات أن سكان الريف ما زالوا يمثلون النسبة الأكبر من إجمالي السكان حيث بلغت نسبتهم 57.3% مقابل 42.7% لسكان الحضر وهو ما يعكس استمرار الحاجة إلى تعزيز الخدمات الأساسية ومشروعات التنمية داخل القرى والمناطق الريفية بما يسهم في تحسين جودة الحياة وتحقيق التنمية المتوازنة بين مختلف المحافظات.
التوزيع الجغرافي يعكس تفاوت الكثافة السكانية
أشارت الإحصاءات إلى استمرار محافظة القاهرة في صدارة المحافظات الأكثر سكانًا بعدما سجلت نحو 10.5 مليون نسمة تلتها محافظة الجيزة بنحو 9.8 مليون نسمة وهو ما يؤكد استمرار تمركز الكثافات السكانية في المحافظات الحضرية الكبرى نتيجة توافر الأنشطة الاقتصادية والخدمية وفرص العمل.
وأبرزت المؤشرات كذلك ارتفاع الكثافة السكانية على مستوى الجمهورية من 92.4 نسمة لكل كيلومتر مربع عام 2017 إلى 108.1 نسمة لكل كيلومتر مربع خلال عام 2026 مما يفرض تحديات متزايدة أمام خطط التوسع العمراني واستغلال الرقعة المأهولة بالإضافة إلى تعزيز مشروعات التنمية خارج الوادي والدلتا لاستيعاب الزيادة السكانية المستقبلية.
التركيبة العمرية تؤكد امتلاك مصر مجتمعًا فتيًا
أكدت البيانات أن المجتمع المصري ما زال يحتفظ بخصائصه الشابة إذ تمثل الفئة العمرية الأقل من 15 عامًا نحو 30.6% من إجمالي السكان بينما لا تتجاوز نسبة كبار السن ممن يبلغون 65 عامًا فأكثر نحو 6.1% في بداية عام 2026 مما يعكس امتلاك مصر قاعدة بشرية كبيرة يمكن توظيفها في دعم التنمية الاقتصادية إذا ما توافرت لها فرص التعليم والتدريب والعمل.
وأوضحت الإحصاءات أن معدل الإعالة العمرية بلغ 58.1% خلال يناير لعام 2026 بما يعني أن كل 100 فرد في سن العمل الذين تتراوح أعمارهم بين15 و64 عامًا يعولون نحو58 فردا من الأطفال أو كبار السن ويبرز هذا المؤشر أهمية الاستثمار في رأس المال البشري ورفع كفاءة القوى العاملة وتعزيز الإنتاجية بما يضمن الاستفادة من الميزة الديموجرافية التي تتمتع بها الدولة.
معدلات الإنجاب تشهد تحسنًا ملحوظًا
أظهرت نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية لعام2025 استمرار التحسن في معدلات الإنجاب بعدما تراجع معدل الإنجاب الكلي إلى2.33 طفل لكل سيدة مقارنة بنحو2.85 طفل لكل سيدة وفق نتائج المسح الذي أُجري عام2021 مما يعكس نجاح البرامج السكانية والتوعوية التي استهدفت تعزيز مفاهيم تنظيم الأسرة ورفع الوعي بأهمية التوازن بين النمو السكاني والتنمية الاقتصادية.
وأكدت المؤشرات أن هذا التراجع يمثل خطوة إيجابية نحو تحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للسكان كما يسهم في تحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية ويخفف من الضغوط الواقعة على الموارد العامة بما يدعم جهود الدولة لتحقيق التنمية المستدامة.
الإسقاطات المستقبلية ترسم ملامح النمو السكاني
أوضحت الإسقاطات السكانية للفترة من2022 إلى2072 أن متوسط العمر المتوقع عند الميلاد بلغ69.7 سنة للذكور مقابل74.7 سنة للإناث خلالعام2026 مما يعكس التحسن المستمر في الخدمات الصحية ومستويات الرعاية الطبية.
وأضافت التقديرات أنه إذا انخفض معدل الإنجاب إلى2.1 مولود لكل سيدة بحلولعام2032 فمن المتوقع أن يصل عدد سكان مصر إلى نحو117.8 مليون نسمة في العام نفسه ثم يرتفع إلى قرابة130.7 مليون نسمة بحلولعام2042 وهو ما يؤكد أهمية استمرار تنفيذ السياسات السكانية بالتوازي مع خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية لضمان تحقيق التوازن بين معدلات النمو السكاني ومعدلات التنمية.
الإحصاءات الحيوية تكشف تباطؤ وتيرة النمو السكاني
أظهرت بيانات الإحصاءات الحيوية الخاصة بالمواليد والوفيات خلال الفترةمن2017إلى2025استمرار التحسنفيعددمنالمؤشراتالسكانية بمايعكسالأثرالإيجابي للسياساتالسكانية والبرامج الصحية التي تبنتها الدولة خلال السنوات الأخيرة وأكدت البياناتأن معدل المواليد شهد انخفاضا ملحوظا بعدما تراجع من26.8مولودا لكل ألفنسمةعام2017إلى18.1مولودا لكل ألفنسمةعام2025وهومايعكس تغيرا واضحا فِي الأنماط الإنجابية وزيادة الوعي المجتمعي بأهمية تنظيم الأسرة بالإضافة إلیالتوسع فِي تقديم خدمات الصحة الإنجابية فِي مختلف المحافظات.
أبرزت المؤشراتأن هذا الانخفاض لايقتصر عليكونه تراجعا رقميا فحسب بل يمثل مؤشرا مهما علي نجاح السياسات الرامية إلي تحقيق التوازن بين الزيادةالسكانيةومعدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يتيح للدولة توجيه مواردها بصورة أكثر كفاءة نحو تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
معدلات الوفيات تستقر بعد تجاوز تداعيات الجائحة
أوضحت البياناتأن معدل الوفيات الخام شهد تذبذبا محدودا خلال السنوات الماضية إذ ارتفع من5,7 حالة وفاة لكل ألفنسمةعام2017إلى7,3 حالةعام2021متأثرا بتداعيات جائحة فيروس كورونا قبلأن يعود إلي الانخفاض مسجلا5,8 حالةلكل ألفنسنةعام2022 ليستقر بين5,5و5,7 حالةلكل ألفنسنةخلال الفترةمن2023إلى2025.
أكدتالبياناتأن عودة معدل الوفيات إلي مستوياته الطبيعية تعكس تحسن المنظومة الصحية وارتفاع كفاءة الخدمات الطبية وزيادة قدرة القطاع الصحي علي التعامل مع الأزمات الصحية بما يسهمفي تعزيز متوسط العمر المتوقع وتحسين مؤشرات الصحة العامة علي مستوي الجمهورية.
الزيادة الطبيعية تتراجع بصورة ملحوظة
أظهرت الإحصاءاتاستمرار انخفاض معدل الزيادة الطبيعية للسكان خلال الفترةمن2017إلى2025بعدما تراجعمن21,1لكل ألفنسمةإلى12,4لكل ألفنسمة وهومايعكس التأثير المباشر لانخفاض معدلات المواليد بالتزامن مع استقرار معدلات الوفيات عند مستويات منخفضة نسبيا.
وأشار هذاالتراجع إليأن مصربدأت تجني ثمار الجهود المبذولةفي تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية إذيسهم تباطؤالنمو السكاني فِي تخفيف الضغوط الواقعة علي الخدمات الأساسية ويمنح الدولة فرصة أكبرلتوجيه الاستثمارات نحو تحسين جودة التعليم وتطوير الخدمات الصحية وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية فضلا عن رفع كفاءة البنية الأساسية فِي مختلف المحافظات.
سوق العمل يشهد تحسنًا فِي المؤشرات
أوضحت نتائج بحث القوى العاملة لعام2025أن حجم قوة العملبين السكان البالغين15 عاما فأكثر بلغ نحو34,2 مليون نسمة منهم26,7 مليونمن الذكور و7,5 مليونمن الإناث وهومايعكس استمرار اتساع قاعدة القوى البشرية القادرة علي المشاركةفِي النشاط الاقتصادي.
وأكدتالبياناتأن معدل البطالة سجل6,3%خلالعام2025مع استمرار الفجوةبين الذكور والإناث إذ بلغ معدل البطالةبين الإناث15,3%مقابل3,7%بين الذكور ويشير ذلك إلي أهمية مواصلة تنفيذ السياساتالداعمه لتمكين المرأة اقتصاديا وتوسيع فرص التشغيل وتحفيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة بما يعزز مشاركة المرأةفِي سوق العمل ويدعم جهود الدولة لتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً.
المؤشراتالسكانية تدعم خطط التنمية
أبرزت المؤشراتالسكانيةأن التحسن المتواصل فِي معدلات الإنجاب وانخفاض الزيادة الطبيعية واستقرار معدلات الوفيات تمثل جميعها عوامل إيجابية تدعم خطط التنمية الشاملة وتسهم فِي تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد ورفع كفاءة الإنفاق العام.
أكدتالنتائجأن استمرار الاستثمارفِي الصحة والتعليم إلي جانبالتوسع فِي برامج التوعيةالسكانية يمثل ركيزةأساسية للحفاظ علي المكتسباتالتي تحققتخلال السنوات الماضية وضمان تحقيق أهداف التنمية المستدامة بما ينعكس بصورة مباشرةعلي تحسين جودة الحياة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وبناء مجتمع أكثر قدرةعلي مواجهةالتحديات المستقبلية.

