مع تصاعد التوترات حول مضيق هرمز، عادت واشنطن إلى قصف إيران، حيث يرى الباحث المتخصص في العلاقات الأمريكية الإيرانية والقضايا النووية في مركز السياسة الدولية، سينا توسي، أن إدارة دونالد ترامب تكرر أخطاءها القديمة في التعامل مع طهران، دون أن تدرك أن الحرب أعادت تشكيل حسابات إيران الاستراتيجية وأوراق الضغط التي تمتلكها. ويشدد توسي على أن المشكلة لا تتعلق فقط بانهيار مذكرة التفاهم بين الطرفين، بل بعجز الولايات المتحدة عن تقديم ضمانات موثوقة تدفع إيران إلى التخلي عن نفوذها، وفي مقدمة ذلك سيطرتها على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
ويقول توسي، الذي يحمل الجنسيتين الأمريكية والإيرانية، في مقال نشرته جريدة “ذا جارديان” البريطانية: “يتصرف ترامب وكأن ساحة المعركة لم تتغير، لكنها تغيرت بالفعل؛ حيث تمتلك إيران أوراق ضغط وتعرف كيف تستخدمها”.
ويضيف: “لم يبدأ انهيار مذكرة التفاهم هذا الأسبوع. فقد بدأت تتفكك تقريبًا منذ اللحظة التي وقعت فيها، بسبب المشكلة الجوهرية التي ظلت تلاحق الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية لعقود، وهي غياب أي أساس موثوق للثقة. فلم يكن لدى طهران سبب حقيقي للاعتقاد بأن واشنطن ستقدم تخفيفًا دائمًا للعقوبات أو أنها ستتخلى عن استراتيجيتها الراسخة القائمة على الإكراه والسعي إلى تغيير النظام”. ولهذا السبب تحديدًا تحولت معركة مضيق هرمز إلى القضية المركزية في المذكرة بدلاً من أن تكون خلافًا جانبيًا.
تفاهمات بلا ضمانات
“على الورق، كانت المذكرة توفر مسارًا نحو خفض التصعيد؛ حيث يقوم منطقها على التدرج من خلال استئناف الملاحة عبر مضيق هرمز وفق ترتيبات إيرانية، ورفع الحصار الأمريكي على إيران ومنح طهران إعفاءً نفطيًا وإتاحة الوصول إلى جزء من أصولها المجمدة ووقف التهديدات وإنهاء الحرب في لبنان. وكان يفترض أن تشكل هذه الخطوات مجتمعة الحد الأدنى من الثقة بعد الحرب وأن تفتح الباب أمام مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني”، بحسب المقال.
لكن توسي يشير إلى أن هذا المنطق كان قائمًا على افتراض هش بأن تتعامل واشنطن وطهران مع التنفيذ الجزئي بوصفه خطوة نحو تسوية أوسع لا كفرصة للحفاظ على أوراق الضغط واختبار صلابة الطرف الآخر. وفي الواقع لم يقتنع أي من الطرفين بأن الآخر يفي بالتعهدات التي يعتبرها الأهم.
انتهاكات أمريكية واسعة
من منظور طهران، بدأت واشنطن انتهاك البنود الأساسية فوراً؛ إذ إن البند الأول في المذكرة الذي دعا إلى إنهاء الحرب في لبنان لم يُنفذ قط مع استمرار القوات الإسرائيلية في عملياتها والحفاظ على وجودها في أجزاء من البلاد. كما أن الولايات المتحدة، بحسب تقارير، قاومت الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة بالحجم الذي كانت طهران تتوقعه.
ويضيف الكاتب أنه بينما واصل ترامب إطلاق التهديدات العسكرية بما في ذلك تهديده العلني خلال الجولة الأولى من المحادثات في سويسرا باختطاف المفاوضين الإيرانيين. ثم في 7 يوليو ألغت الولايات المتحدة إعفاء صادرات النفط الإيرانية فيما كانت طهران تحاول ترسيخ سيطرتها على الملاحة عبر هرمز ليس عبر إغلاق المضيق بشكل دائم بل من خلال إجبار السفن على المرور عبر المسار الشمالي الذي حددته بدلاً من المسار الجنوبي المدعوم أمريكياً.
تصاعد الشك المتبادل بين الطرفين
يقول توسي إن كل طرف خلص إلى أن الطرف الآخر يقتنص التنازلات بينما يمتنع عن تقديم ما عليه. غير أن هذا الشك المتبادل ليس مجرد نتيجة للأحداث الأخيرة بل هو انعكاس لعقود من الدبلوماسية الفاشلة.
ويتابع توسي قائلاً إن صناع القرار في إيران رأوا العقوبات تفرض مراراً ثم تُفف جزئياً ثم تعاد فرضها عبر إدارات أمريكية متعاقبة. كما أن جزءاً كبيراً من بنية العقوبات الأمريكية راسخٌ في تشريعات الكونغرس ما يترك للرؤساء هامش الاعتماد على إعفاءات مؤقتة قابلة للإلغاء بقرار واحد. ولهذا السبب لم ينجح تخفيف العقوبات بعد الاتفاق النووي عام 2015 في إنتاج مستوى الاستثمار أو الاندماج المصرفي أو الاستقرار الاقتصادي الذي كانت إيران تتوقعه.
تنامي أهمية مضيق هرمز
وفيما يتعلق بمضيق هرمز يرى الكاتب أنه أصبح أكثر أهمية مما كان عليه قبل الحرب. فاحتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي لا يزال منخفضًا إلى حد كبير بينما تظل المخزونات النفطية العالمية مشدودة، وقد بقيت حركة الشحن عبر مضيق هرمز أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. والنتيجة هي تقلص القدرة على امتصاص أي اضطراب طويل الأمد في المضيق مما يزيد خطر حدوث صدمة طاقة عالمية أكبر بكثير.
وعلى عكس التخلي عن البرنامج النووي أو مصادر ضغط أخرى مقابل تخفيف للعقوبات قد يتبين لاحقاً أنه مؤقت فإن مضيق هرمز يمنح طهران شيئًا مختلفاً جذرياً باعتباره ضمانة تقع بين يديها مباشرة. فمن خلال توجيه حركة المرور التجارية عبر الممر الذي حددته وربما إنشاء إدارة مشتركة قادرة على تحصيل رسوم العبور مع جارتها البحرية سلطنة عمان ستربط إيران ازدهارها الخاص وكلفة الضغط عليها مباشرة بعمل الاقتصاد العالمي. وقد يتخلى رؤساء أمريكيون مستقبليون عن الدبلوماسية وقد يشدد الكونجرس العقوبات مجددًا لكن فعل ذلك لن يعود بلا كلفة اقتصادية على الولايات المتحدة.
ثلاثة أشكال رئيسية من النفوذ الإيراني
يؤكد الكاتب أن إيران تمتلك اليوم ثلاثة أشكال رئيسية من النفوذ في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. الأول هو قدراتها العسكرية وشبكة تحالفاتها الإقليمية بما في ذلك قواتها الصاروخية والطائرات المسيرة وأصولها البحرية غير المتكافئة وشركاؤها مثل حزب الله والحوثيين والجماعات المسلحة في العراق وهذه الأدوات قادرة على فرض كلفة عسكرية كبيرة رغم أنها –على الأرجح– لن تحدث تغييراً جذرياً في ميزان القوة أمام التفوق العسكري المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل.
أما المصدر الثاني فهو برنامج إيران النووي الذي ظل لفترة طويلة ورقة التفاوض الأساسية مع واشنطن حيث لا يزال هذا الملف يمنح إيران خيارات مهمة إذا قررت الاندفاع نحو امتلاك القنبلة رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بمنشآتها النووية المعلنة.
أما المصدر الثالث من النفوذ -أي السيطرة على الممرات الاستراتيجية للطاقة في المنطقة وعلى رأسها مضيق هرمز- فهو الذي أصبح بصورة متزايدة عنصرًا لا غنى عنه.
وينهي توسي مقاله بالقول إن فشل واشنطن في إدراك مدى العمق الذي أعادت به الحرب تشكيل الحسابات الاستراتيجية لطهران سيؤدي بها للاستمرار بالتفاوض بناءً على افتراضات لم تعد قائمة وستواصل إنتاج اتفاقات لا يثق أي من الطرفين فعلاً بأن الآخر سيلتزم بها.

