عاد ملف منظومات “باتريوت” ليحتل واجهة الأحداث في الحرب الروسية الأوكرانية، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعداده لمنح أوكرانيا حق تصنيع هذه المنظومات داخل أراضيها. يُعتبر هذا التحول خطوة مهمة في سياسة الدعم العسكري الأمريكي لكييف، وذلك بالتزامن مع استمرار النزاع ضد روسيا للعام الخامس على التوالي.
جاء الإعلان خلال لقاء ثنائي جمع ترامب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” المنعقدة في العاصمة التركية أنقرة، حيث تم بحث سُبل تعزيز التعاون الدفاعي ومستقبل الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا.
ترخيص لإنتاج منظومات باتريوت
خلال اللقاء، أبلغ ترامب نظيره الأوكراني بأن الولايات المتحدة ستمنح أوكرانيا ترخيصا لتصنيع منظومات “باتريوت” للدفاع الجوي، مشيراً إلى أن هذه الخطوة ستمنح كييف قدرة أكبر على تلبية احتياجاتها الدفاعية دون الاعتماد الكامل على الإمدادات الخارجية.
وقال ترامب إن “السماح لأوكرانيا بإنتاج المنظومات محليا سيُخفف الضغوط المتعلقة بالمطالب المتكررة للحصول على المزيد من الأسلحة الأمريكية”، مضيفا أن بلاده ستمنح كييف الفرصة لتصنيع هذه المنظومات بنفسها. وأوضح الرئيس الأمريكي أن الشركة المصنعة لمنظومات “باتريوت” لم تُبلَّغ رسمياً بالقرار حتى الآن، لكنه أشار إلى أن الإجراءات اللازمة سيتم استكمالها خلال الفترة المقبلة.
محدودية المخزون الأمريكي
رغم إعلانه عن منح أوكرانيا حق تصنيع المنظومات الدفاعية، استبعد ترامب إمكانية تزويد كييف بأعداد كبيرة من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية خلال المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تحتاج أيضاً إلى الحفاظ على مخزونها الاستراتيجي من هذه المنظومات.
وأكد ترامب أن واشنطن تمتلك بطاريات “باتريوت” لكنها لا تملك أعداداً كافية من الصواريخ الاعتراضية تسمح بتوفير كميات كبيرة منها لأوكرانيا في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها في أكثر من منطقة حول العالم.
زيلينسكي يُطالب بتسريع الدعم
من جانبه، شدد زيلينسكي على أن بلاده بحاجة ماسة لتعزيز قدراتها الدفاعية لمواجهة الهجمات الروسية المتواصلة، مؤكداً أن الأولوية القصوى تتمثل في توفير أكبر عدد ممكن من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية بأسرع وقت ممكن.
وأشار زيلينسكي إلى أن استمرار القصف الروسي بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة يفرض على أوكرانيا البحث عن حلول طويلة الأمد، بما في ذلك توطين صناعة منظومات الدفاع الجوي داخل البلاد لضمان استمرار توافرها بعيداً عن تعقيدات سلاسل الإمداد الدولية.
نقص عالمي في صواريخ باتريوت
جاءت تصريحات ترامب وزيلينسكي في وقت يشهد فيه العالم نقصاً متزايداً في صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، بعدما تجاوزت وتيرة استخدامها في أوكرانيا والشرق الأوسط قدرات الإنتاج الحالية. أدى ذلك إلى ضغوط كبيرة على المخزونات العسكرية الأمريكية والغربية.
ويُنظر إلى منظومات “باتريوت” باعتبارها من أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطوراً في العالم، إذ تلعب دوراً رئيسياً في اعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وقد أدى تصاعد الصراعات الإقليمية والدولية إلى مضاعفة الطلب عليها.
كييف تحذّر من أزمة دفاعية
كان زيلينسكي قد حذّر خلال مشاركته في منتدى الصناعات الدفاعية على هامش قمة الناتو من أن أوكرانيا تواجه تحدياً متزايداً في تأمين صواريخ الاعتراض. وأكد ضرورة إيجاد آلية تضمن الحصول على هذه المنظومات بأسرع وقت وبأكبر كميات ممكنة.
وأوضح زيلينسكي أن استمرار الهجمات الروسية بالصواريخ الباليستية يجعل توفير منظومات الدفاع الجوي مسألة مصيرية بالنسبة لأوكرانيا. ولفت إلى أن تأخير وصول الذخائر الدفاعية ينعكس مباشرة على قدرة الجيش في حماية المدن والبنية التحتية.
روسيا تستغل أزمة الذخائر
استغلت روسيا هذا النقص عبر تكثيف هجماتها بالصواريخ الباليستية وأسراب الطائرات المسيّرة ضد أهداف أوكرانية، بهدف استنزاف منظومات الدفاع الجوي وإضعاف قدرة كييف على التصدي للهجمات. وذكرت شبكة “إيه بي سي نيوز” الأمريكية أن القوات الروسية شنت خلال الأسابيع الأخيرة موجات متتالية من الضربات استهدفت منشآت الطاقة والبنية التحتية والمجمعات الصناعية العسكرية، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وتفاقم الأضرار في عدد من المدن الأوكرانية.
دعوات أوروبية لتعزيز الإنتاج العسكري
وفي ظل هذا الواقع، دعا زيلينسكي الدول الأوروبية إلى تسريع تطوير صناعاتها الدفاعية، معتبراً أنه لم يعد كافياً الاعتماد على خطوط الإنتاج الحالية لمواجهة التهديدات المتزايدة. وأشار إلى فعالية منظومة “باتريوت” في التصدي للهجمات الروسية، إلا أنه أكد أن محدودية الإنتاج العالمي تُشكل تحدياً حقيقياً أمام الدول الحليفة. ودعا لضرورة توسيع خطوط التصنيع وتوفير بدائل أوروبية قادرة على سد الفجوة في أنظمة الدفاع الجوي.
كما أكد زيلينسكي أن الحرب أظهرت أهمية امتلاك القدرات الصناعية الدفاعية كعنصر أساسي للحفاظ على الأمن القومي وليس مجرد خيار استراتيجي يمكن تأجيله.
ترامب: الحرب تقترب من نهايتها
رغم استمرار العمليات العسكرية على الأرض، أبدى الرئيس ترامب تفاؤلاً بإمكانية إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية. واعتبر فرص التوصل إلى تسوية أقرب مما يعتقده كثيرون. وفي تصريحاته خلال قمة الناتو قال إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرغب في إنهاء الحرب وأن زيلينسكي يسعى أيضاً لإنهاء الصراع، مما يشير إلى وجود فرصة لاستئناف المسار السياسي بعد سنوات من المواجهات.
رؤية مختلفة للصراع
في الوقت نفسه قلّل ترامب من تأثير الحرب في أوكرانيا على الولايات المتحدة معتبراً أنها تمثل أساسًا قضية أوروبية وأن العبء الأكبر يقع على عاتق الدول الأوروبية. وكان قد تعهد خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحرب منذ اليوم الأول له داخل البيت الأبيض قبل أن يُقر لاحقاً بأن هذا الوعد كان مبالغًا فيه ويعترف بصعوبة الوصول لاتفاق سريع ينهي الصراع.
تصعيد روسي متواصل
تزامنت تصريحات الرئيس الأمريكي مع استمرار التصعيد العسكري الروسي حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ ضربات استهدفت المجمع الصناعي العسكري الأوكراني ومنشآت الطاقة بالعاصمة كييف ومحيطها ضمن الهجمات المتواصلة التي تنفذها موسكو ضد البنية التحتية الأوكرانية. وتقول كييف إن هذه الضربات تزيد الضغوط على منظوماتها الدفاعية بينما تواجه نقصًا متزايدًا في الذخائر والصواريخ الاعتراضية.
ضغوط أوكرانية على واشنطن
وفي هذا السياق واصل زيلينسكي مطالبة الإدارة الأمريكية بالإسراع بمنح أوكرانيا ترخيصًا لتصنيع منظومات “باتريوت” وصواريخها الاعتراضية داخل الأراضي الأوكرانية معتبرًا توطين هذه الصناعة أحد الحلول الرئيسية لمعالجة أزمة نقص الذخائر الدفاعية.
اختبار جديد للعلاقة بين ترامب وزيلينسكي
شكل اللقاء الذي جمع ترامب وزيلينسكي في أنقرة اختبارًا جديدًا للعلاقة التي شهدت توتراً خلال الأشهر الماضية خاصة بعد المواجهة الحادة التي وقعت بينهما بمكتب البيت الأبيض خلال فبراير 2025 عندما شكك ترامب بطريقة إدارة كييف للحرب وطالب زيلينسكي بإظهار مزيد من الامتنان للدعم الأمريكي.
ورغم تلك الخلافات وصف ترامب علاقته الحالية بزميله الأوكراني بأنها جيدة مشيراً إلى أنه شخصية صعبة لكنه أكد استمرار التواصل والعمل المشترك بين الجانبين بشأن الملفات المرتبطة بالحرب والدعم العسكري.

