منذ توليه منصبه مجددًا في 20 يناير 2025، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ملف الهجرة على رأس أولويات إدارته، معتبرًا إياه أحد أبرز القضايا المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي، وسرعان ما ترجم هذا التوجه إلى سلسلة من الأوامر التنفيذية والإجراءات التي استهدفت تشديد الرقابة على الحدود، والحد من الهجرة غير النظامية، وإعادة صياغة سياسات اللجوء والهجرة المعتمدة في الإدارة السابقة.

وشملت الإجراءات التي اتخذها ترامب إعلان حالة الطوارئ على الحدود الجنوبية مع المكسيك، ونشر قوات إضافية لتعزيز أمن الحدود، فضلًا عن تشديد قواعد اللجوء، وتوسيع حملات توقيف وترحيل المهاجرين غير النظاميين، وتعليق برنامج استقبال اللاجئين، بالإضافة إلى محاولة تقييد منح الجنسية بالميلاد لبعض الأطفال، وتشديد إجراءات التدقيق الأمني على طالبي التأشيرات والمقيمين.

وترى الباحثة والمتخصصة في شؤون الأمن القومي الأمريكي، إيرينا تسوكرمان، أن ترامب تجاوز الحدود الدستورية في العديد من هذه الأمور بشكل واضح من خلال محاولته تقييد حق المواطنة بالولادة بموجب أمر تنفيذي أبطله لاحقًا المحكمة العليا الأمريكية.

وأكدت تسوكرمان أن العديد من سياسات إدارة ترامب الأخرى المتعلقة بملف الهجرة تثير مخاوف دستورية خطيرة لأن قانون الهجرة يمنح الرئيس والسلطة التنفيذية سلطة واسعة بشكل غير عادي على القبول، مما يثير المخاوف من تحول هذه السلطة إلى عقاب جماعي أو تصنيف جماعي ضد العديد من الأشخاص.

ترامب يحاول إعادة صياغة سياسة الهجرة إلى أمريكا

تقول الباحثة الأمريكية إن أجندة الرئيس ترامب للهجرة خلال ولايته الثانية تمثل محاولة متعمدة لإعادة صياغة سياسة الهجرة باعتبارها تأكيدًا على السيادة الوطنية والأمن الداخلي والسيطرة الديموغرافية وانضباط سوق العمل وتعزيز السلطة التنفيذية، مع التعامل مع الحدود كجزء من حملة أوسع تمتد إلى المحاكم وأماكن العمل والجامعات وأجهزة إنفاذ القانون المحلية والمزايا الفيدرالية والقبول الإنساني والمواطنة الدستورية.

وتوضح تسوكرمان أن أبرز القرارات التي اتخذتها الإدارة شكلت بنية حاكمة متكاملة تشمل عسكرة الحدود الجنوبية وإغلاق أو تقييد الإفراج الإنساني باعتباره قناة واسعة للقبول وتقليص فرص الحصول على اللجوء وإعادة الاحتجاز كخيار تشغيلي أساسي وتوسيع نطاق الإبعاد السريع وإحياء إنفاذ قوانين الهجرة داخل الولايات المتحدة والضغط على ولايات الملاذ الآمن وإنهاء أو تضييق نطاق وضع الحماية المؤقتة واستخدام قوانين الأمن القومي في سياقات الهجرة التي كانت تُعد سابقًا شديدة الحساسية قانونيًا وسياسيًا.

وتضيف الباحثة أن الموجة الأولى من التدابير أعادت العمل بإطار الطوارئ على الحدود وأنهت أنظمة الإفراج المشروط والتعيين التي كانت مطبقة في عهد جو بايدن وأعادت إحياء منطق “البقاء في المكسيك” وعلقت أو قلصت بصورة حادة قبول اللاجئين ووسعت نطاق الترحيل السريع داخل الولايات المتحدة ووجهت الوكالات إلى إخضاع المهاجرين وطالبي التأشيرات والطلاب واللاجئين وطالبي اللجوء لتدقيق أمني ينطلق من منظور الأمن القومي.

كما تحركت إدارة ترامب ضد حق المواطنة بالولادة وحاولت تغيير المعنى الدستوري للمواطنة عبر أمر تنفيذي واستندت إلى قانون الأعداء الأجانب في مواجهة الأعضاء المزعومين في ترين دي أراغوا وضغطت من أجل الترحيل إلى بلدان ثالثة وصعدت عمليات إنفاذ القانون في أماكن العمل وعلى مستوى الشوارع ووسعت التعاون مع سلطات الولايات والمحلية وحصلت على تمويل كبير من الكونجرس لصالح وكالة الهجرة والجمارك وهيئة الجمارك وحماية الحدود وتعزيز قدرات الاحتجاز والمراقبة ولوجستيات الترحيل.

أهداف ترامب من القرارات

تشير تسوكرمان إلى أن الأهداف وراء هذه القرارات كانت واسعة النطاق إذ سعى ترامب إلى ردع الدخول غير القانوني قبل وصول المهاجرين إلى الحدود وإزالة الحوافز الناتجة عن تراكم الإفراج المشروط وطلبات اللجوء وتسريع عمليات الإبعاد وجعل الوجود غير القانوني داخل الولايات المتحدة أكثر خطورة ومعاقبة ولايات الملاذ الآمن والحد من القبول الإنساني وتوجيه رسالة للحكومات الأجنبية وشبكات تهريب المهاجرين بأن واشنطن انتقلت من إدارة تدفقات الهجرة إلى العمل على قمعها.

وبحسب الباحثة الأمريكية أرادت إدارة ترامب إثبات لقاعدتها السياسية أن إنفاذ قوانين الهجرة يمكن أن يصبح تعبيرًا رئيسيًا عن السلطة الرئاسية وليس مجرد قضية عالقة في طريق مسدود داخل الكونجرس أو رهينة للتسويات البيروقراطية.

أسباب فشل إدارة ترامب

وتؤكد تسوكرمان أن مكمن الفشل تمثل في محاولة الإدارة تحويل صدمة التنفيذ إلى نظام وطني مستقر بالاعتماد فقط على السلطة التنفيذية.

وتوضح أنه رغم الانخفاض الحاد في أعداد المواجهات على الحدود وزيادة الاعتقالات الداخلية وزيادة عمليات الترحيل وانتشار الخوف داخل مجتمعات المهاجرين فإن الولايات المتحدة لا تزال تفتقر إلى إصلاح شامل للهجرة من جانب الكونجرس وإلى موافقة قضائية مستقرة على أكثر المطالبات جرأة فضلًا عن غياب إطار إداري متماسك للتعامل مع اللجوء واحتياجات سوق العمل والأسر ذات الوضع القانوني المختلط والمقيمين غير المسجلين منذ فترات طويلة والأشخاص الفارين من الاضطهاد الحقيقي.

تشير تسوكرمان إلى أن ترامب نجح في خلق ضغوط على منظومة الهجرة بأكملها لكنه لم ينجح في إنشاء نظام هجرة فعال إذ كشفت ولايته الثانية حدود السلطة الرئاسية واستنزاف أدوات الحكم المعتمدة على إعلانات الطوارئ والأوامر التنفيذية وعقود الاحتجاز والمداهمات وسياسات التخويف.

مدى نجاح سياسات ترامب

وعن مدى نجاح سياسات ترامب في الحد من الهجرة إلى أمريكا تقول تسوكرمان إن أبرز مظاهر النجاح تمثلت في تشديد إنفاذ القانون على الحدود الجنوبية حيث انخفضت عمليات العبور والمواجهات غير المصرح بها لأدنى مستوياتها منذ سنوات عديدة نتيجة مزيج من تشديد إنفاذ القانون من جانب المكسيك والقيود المفروضة بعد عام 2024 وانهيار أنظمة الدخول القائمة على الإفراج المشروط واعتماد ممارسات احتجاز أكثر صرامة وتكثيف رسائل الإبعاد السريع واستعادة الشعور بالمخاطر المرتبطة بمحاولة الدخول.

وتوضح أن المهاجرين وشبكات التهريب يتفاعلون مع الحوافز والشائعات والمخاطر والتوقيت واحتمالات الإفراج المتوقعة وأن ترامب نجح في تغيير تلك التوقعات بسرعة وهو ما انعكس بوضوح على أرقام العبور على الحدود.

وتتابع الباحثة الأمريكية أن الإدارة أعادت داخل الولايات المتحدة إحياء إنفاذ قوانين الهجرة باعتباره أداة عملية ووسيلة للضغط على المجتمعات التي اعتادت أولويات فدرالية أكثر محدودية.

وتزايدت الاعتقالات بعيدًا عن المناطق الحدودية وأصبحت وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) أكثر حضورًا ووضوحًا بينما امتد تهديد الاحتجاز وإنفاذ القانون في أماكن العمل والإبعاد للأشخاص الذين عاشوا لسنوات افترضوا أن الجهود الفيدرالية ستظل تركز بشكل رئيسي على مرتكبي الجرائم الخطيرة.

ونتيجة لذلك عاد الوجود غير القانوني نفسه بما في ذلك للأشخاص الذين تربطهم علاقات مجتمعية عميقة إلى صدارة أولويات إنفاذ القانون الفيدرالي.

وتشير تسوكرمان إلى أن الانخفاض الملموس في المواجهات عند الحدود لا يحسم تلقائيًا مسألة ضغوط الهجرة الإجمالية إذ قد يعكس تراجع الأعداد عند نقاط العبور الرسمية تأجيل الهجرة أو تغيير مساراتها أو زيادة الاعتماد على المهربين أو الاتجاه لتجاوز مدة التأشيرات أو استخدام معابر أكثر خطورة أو انتظار المهاجرين لما ستسفر عنه قرارات المحاكم والكونجرس بشأن أجندة الولاية الثانية.

القيود القانونية واللوجستية والاقتصادية

كما توضح الإدارة تستطيع توقيف المهاجرين بوتيرة أسرع مما تستطيع ترحيلهم لأن تنفيذ الترحيل يعتمد على توافر أماكن الاحتجاز ووثائق السفر وتعاون الدول المستقبلة والرحلات الجوية والموظفين وقدرة المحاكم والترتيبات القنصلية ووجود سجلات قانونية قوية تتحمل التدقيق القضائي.

وتؤكد الباحثة الأمريكية أن إدارة ترامب تواجه مجموعة قيود قانونية ولوجستية واقتصادية ودبلوماسية وسياسية مشيرةً إلى أن المحاكم أوقفت أو قلصت نطاق بعض الإجراءات الأكثر طموحًا خصوصًا عندما سعت الإدارة لتغيير الحقوق الدستورية أو تجاوز ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة.