لم تكن الانتخابات التمهيدية التي شهدها الحزب الديمقراطي الأمريكي في ولاية نيويورك مؤخرًا مجرد حدث عابر، بل شكلت مؤشرًا على تحول سياسي أوسع داخل الحزب، حيث عكست تراجع قدرة اللوبي الصهيوني الموالي لإسرائيل على فرض أجندتها الانتخابية التقليدية، وصعود جيل جديد من السياسيين الذين يرون أن انتقاد إسرائيل لم يعد مخاطرة سياسية، بل قد يكون طريقًا نحو الفوز بالانتخابات، فضلاً عن ظهور موجة اشتراكية تتجه تدريجيًا نحو الكونجرس.

ويأتي ذلك بالتزامن مع بدء العد التنازلي لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في 3 نوفمبر 2026، والتي تشمل جميع مقاعد مجلس النواب (435 مقعدًا)، وثلث مقاعد مجلس الشيوخ (33 إلى 34 مقعدًا)، بالإضافة إلى انتخابات عدد من حكام الولايات والمسؤولين المحليين في الولايات المتحدة.

موجة اشتراكية متصاعدة

وفي السياق، كشفت مجلة نيوزويك الأمريكية أن الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة يشهد موجة اشتراكية متصاعدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وسط توقعات بمضاعفة عدد الأعضاء المرتبطين بالتيار الاشتراكي في مجلس النواب، ليصل إلى أكبر تمثيل تاريخي للحركة.

ويأتي هذا التحول في وقت حقق فيه عدد من المرشحين المدعومين من منظمة “الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا” انتصارات في الانتخابات التمهيدية بدوائر ذات أغلبية ديمقراطية، مما يمهد لدخول وجوه جديدة إلى الكونجرس بجانب أسماء بارزة مثل ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز ورشيدة طليب، التي كانت أول امرأة مسلمة وأول أمريكية من أصول فلسطينية تفوز بعضوية الكونجرس.

ولم تكن انتصارات مرشحين اشتراكيين في نيويورك بمعزل عن انتصارات حققها مرشحون تقدميون خلال الانتخابات التمهيدية الرئيسية في كافة الولايات الأمريكية، بما في ذلك المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني جينيس لويس جورج، التي فازت بالانتخابات التمهيدية لمنصب عمدة العاصمة واشنطن. وقد أكد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أنه لن يكون سعيدًا إذا فازت بسباق رئاسة بلدية واشنطن العاصمة.

الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا

تشكل “الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا” أكبر منظمة سياسية اشتراكية في الولايات المتحدة، حيث تضم أكثر من 100 ألف عضو وتعمل بشكل أساسي على دعم سياسات الرعاية الصحية والتعليم المجاني للجميع وتقليل نفوذ الشركات والأثرياء في الانتخابات وزيادة نفوذ الطبقة العاملة. وتعتبر المنظمة نشطة غالبًا داخل الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.

بينما يرى مؤيدو المنظمة أن هذه المكاسب تعكس تراكم سنوات من العمل السياسي، يحذر منتقدون من أن توسعها قد يفتح جدلًا أوسع حول موقعها داخل الحزب الديمقراطي وقدرتها على المنافسة في الدوائر المتأرجحة، بحسب مجلة “نيوزويك”.

وتضم منظمة “الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا” حاليًا عضوين في مجلس النواب هما أوكاسيو-كورتيز ورشيدة طليب. وقد فاز ثلاثة مرشحين آخرين مرتبطين بالحركة في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية هذا الربيع في دوائر يغلب عليها الطابع الديمقراطي، ما يفتح الطريق أمام وصولهم إلى واشنطن ليصل العدد إلى خمسة أعضاء.

هل وصول خمسة أعضاء حدث تاريخي؟

بحسب مجلة نيوزويك، فإن وجود خمسة أعضاء في مجلس النواب يشكل أكبر كتلة حديثة للحركة، إذ سبق أن بلغ العدد أربعة أعضاء في عام 2021 قبل أن يتراجع لاحقًا إلى اثنين بعد خسائر انتخابية.

والمرشحون الجدد هم كلير فالديس وهي عضو في المجلس التشريعي للولاية وناشطة سابقة في نقابة عمال السيارات ودارياليزا أفيلا شيفالييه وهي ناشطة مجتمعية عمرها 32 عامًا والتي أطاحت برئيس التجمع اللاتيني في الكونجرس أدريانو إسباييات؛ ومن المتوقع أن تصبح أول امرأة أمريكية من أصل دومينيكاني تنتخب للكونجرس؛ وكرس راب وهو عضو في مجلس ولاية بنسلفانيا فاز في انتخابات تمهيدية في مدينة فيلادلفيا. وتعد هذه الدوائر من الأكثر ميلاً للحزب الديمقراطي مما يجعل الفوز فيها شبه حاسم خلال الانتخابات التمهيدية.

وقد فازت فالديس وأفيلا شيفالييه ضمن قائمة مدعومة من عمدة نيويورك زهران ممداني الذي أعاد تشكيل المشهد السياسي بعد فوزه بمنصب العمدة العام الماضي.

ويؤكد قادة منظمة “الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا” أن هذه الانتصارات ليست طفرة مفاجئة بل نتيجة مسار طويل من العمل المجتمعي مشددين على أن “الجديد اليوم هو سرعة الانتشار داخل الحزب الديمقراطي ذاته”.

ويقول المدير التنفيذي لمنظمة “ثورتنا” المنبثقة عن حملة السيناتور بيرني ساندرز الرئاسية لعام 2016 جوزيف جيجفاريز لمجلة نيوزويك إن هذا ليس صعودا مفاجئًا بل هو نتيجة عشر سنوات من العمل الذي أصبح اليوم مرئيًا؛ لقد دعمت المنظمة أوكاسيو-كورتيز عندما كانت مرشحة غير متوقعة وكذلك دعمت ممداني قبل صعوده السياسي.

تراجع الثقة في الرأسمالية الأمريكية

تأتي هذه الانتصارات وسط تراجع ملموس للثقة بالنظام الاقتصادي القائم رغم عدم وجود تحول كامل نحو البدائل المطروحة. فقد تراجعت النظرة الإيجابية للرأسمالية إلى 54% وفق استطلاع “جالوب” الذي أُجري أغسطس 2026 وهو أدنى مستوى منذ بدء قياس هذا المؤشر عام 2010 مقارنة بـ60% عام 2021. وعلى النقيض لم تشهد النظرة إلى الاشتراكية تغيرا كبيرا خلال 15 عامًا إذ ينظر إليها 39% من الأمريكيين بإيجابية مقابل 57% بسلبية بحسب “نيوزويك”.

لكن هذا التحول يتركز بشكل واضح داخل الحزب الديمقراطي إذ أبدى ثلثا الديمقراطيين نظرة إيجابية تجاه الاشتراكية بينما أظهر الديمقراطيون دون سن الخمسين موقفا أكثر تحفظا تجاه الرأسمالية مقارنة بالأجيال الأكبر داخل الحزب. ومن جهته قال نائب الرئيس التنفيذي لمجموعة “ثيرد واي” للديمقراطية الوسطية جيم كيسلر لمجلة نيوزويك إن عدد أعضاء منظمة “الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا” سيكون محدوداً جداً بالدورة المقبلة لكنهم يظلون عامل تأثير إذا استمر عددهم بالنمو وقد يجعل ذلك الحزب غير قابل للفوز على المستوى الوطني.

تصاعد المد الرافض للسياسات الإسرائيلية

في المقابل ترى جريدة “ذا وول ستريت جورنال” الأمريكية أن الانتصارات التي حققها حلفاء ممداني لم تكن مجرد نجاحات انتخابية محلية بل شكلت توبيخاً مباشراً للمؤسسة الديمقراطية بعدما تمكن مرشحون مدعومون من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين من هزيمة شخصيات مدعومة من قيادة الحزب ومن جماعات ضغط تقليدية بينها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك).