يشهد الاقتصاد العالمي تحولات متسارعة لم تعد تقتصر على الحروب التجارية والصراعات الجيوسياسية، بل امتدت إلى النظام النقدي العالمي مع توجه عدد من الدول لزيادة التعامل بعملاتها المحلية وصعود تكتلات اقتصادية جديدة مثل مجموعة البريكس، بالإضافة إلى التوسع في العملات الرقمية للبنوك المركزية.
ومع هذه التحولات، يبرز سؤال مهم: هل نحن أمام بداية تراجع تدريجي لهيمنة الدولار؟ وهل تستطيع مصر الاستفادة من عضويتها في التكتلات الاقتصادية الجديدة وتحويلها من مجرد عضوية إلى مكاسب حقيقية للاقتصاد؟
في حوار خاص مع “فيتو”، تكشف الدكتورة يمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس وعضو سابق بمجلس الشورى، مستقبل العملات البديلة وموقف الدولار من المنافسة الجديدة وما تحتاجه مصر للاستفادة من البريكس والتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
هل أصبحت هناك عملات قادرة بالفعل على منافسة الدولار؟
بالفعل، هناك عملات أصبحت تنافس الدولار بقوة، وعلى رأسها اليوان الصيني الذي اكتسب أهمية كبيرة على الساحة الاقتصادية العالمية بعد دخوله ضمن سلة حقوق السحب الخاصة، مما زاد من دوره ومكانته في الاقتصاد العالمي.
تتحرك الصين في هذا الملف بهدوء وحذر؛ فهي تعلن عن قوتها ومكانتها الاقتصادية لكنها لا ترغب في الدخول في صراعات، بل تعمل على تحقيق أهدافها الاقتصادية بصورة تدريجية.
وهل يمكن أن يؤدي صعود البريكس إلى تقليل الاعتماد على الدولار؟
مع بداية البريكس بدأت اتفاقيات لتبادل العملات بين الدول الأعضاء، وهذه الاتفاقيات يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تقليل الطلب على الدولار خاصة مع توجه بعض دول المجموعة لاستخدام عملاتها المحلية في التعاملات التجارية.
تمثل دول البريكس كتلة اقتصادية ضخمة، ولذلك فإن زيادة التعامل بالعملات المحلية قد تؤدي إلى تقليل الاعتماد على الدولار وإن كان ذلك بصورة تدريجية وليس بشكل مفاجئ.
هل يعني ذلك أن الدولار بدأ يفقد هيمنته على الاقتصاد العالمي؟
لا يزال الدولار مهيمنا على جزء كبير من المعاملات العالمية، ومن الصعب الحديث عن انتهاء هيمنته في الوقت الحالي. هناك حجم ضخم من التعاملات يتم بالدولار، لكن بالمقابل لم تعد هيمنته كما كانت سابقًا. لدينا الآن منافسون جدد ودول تبحث عن بدائل، مما يعني أننا أمام تغيرات كبيرة قد تظهر آثارها بصورة أوضح على المدى المتوسط والبعيد.
وما تأثير الحروب والأزمات العالمية على مكانة الدولار؟
دفعت الأزمات العالمية والحروب العديد من الدول للبحث عن بدائل وتقليل الاعتماد على الدولار. الحرب الروسية الأوكرانية كانت من بين العوامل التي ساعدت على ظهور بدائل جديدة. كما أن التطورات السياسية والجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط دفعت بعض الدول للبحث عن وسائل مختلفة لتنويع تعاملاتها الاقتصادية والمالية.
وماذا عن العملات الرقمية؟ وهل يمكن أن تكون جزءًا من النظام النقدي الجديد؟
بدأت بعض الدول في إصدار عملاتها الرقمية مثل الصين التي أصدرت اليوان الصيني الإلكتروني عبر البنك المركزي. هذه العملات تساعد على تسهيل المعاملات وقد تساهم في تقليل الاعتماد على الدولار، لكن تأثيرها ما زال محدودًا حاليًا لأن الانتقال إلى نظام نقدي مختلف يحتاج إلى وقت طويل خاصة مع استمرار ضخامة التعاملات التي تتم بالدولار.
مصر انضمت إلى البريكس.. فهل تستطيع تحويل هذه العضوية إلى مكاسب اقتصادية؟
الانضمام إلى التكتلات الاقتصادية مثل البريكس يعد فرصة مهمة لمصر، لكن الاستفادة منها تتطلب إصلاحات حقيقية داخل الاقتصاد خاصة في قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا. فلا يمكن تحقيق مكاسب حقيقية دون وجود قاعدة إنتاجية قوية قادرة على المنافسة والتصدير.
وما الذي ينقص مصر للاستفادة من هذه التكتلات؟
تمتلك مصر أسواقًا كبيرة واتفاقيات تجارية ضخمة، لكن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف القدرة على النفاذ إلى هذه الأسواق. لدينا الفرص والأسواق ولكننا بحاجة لإنتاج قادر على المنافسة وتحسين بيئة الاستثمار وتشجيع القطاع الخاص والعمل على نقل التكنولوجيا وتطويرها. هذه هي العوامل التي تمكننا من الاستفادة الحقيقية من التكتلات الاقتصادية الجديدة.
وهل الصناعة هي كلمة السر في الاستفادة من البريكس؟
الصناعة تعد أحد أهم المفاتيح إلى جانب الزراعة والتكنولوجيا. تسهم الصناعة المصرية بنحو 16% من الناتج المحلي ويجب زيادة هذه النسبة بشكل كبير. زيادة الصادرات أمر أساسي أيضًا لأن قوة الاقتصاد لا تقاس فقط بحجم السوق المحلي وإنما بقدرته على الإنتاج والتصدير والمنافسة في الأسواق الخارجية.
وهل تمتلك مصر الموارد التي تمكنها من المنافسة عالميًا؟
تمتلك مصر موارد بشرية كبيرة وهي إحدى أهم المزايا التي يجب استغلالها. لدينا شباب وطاقات بشرية وأعداد كبيرة من المصريين العاملين بالخارج في مجالات التكنولوجيا والتطوير. ومع ذلك نحتاج لاستثمار مواردنا البشرية بشكل مناسب وربط هذه الطاقات بعملية التنمية والاستفادة من خبراتهم لتعزيز التكنولوجيا وزيادة الإنتاجية.
وهل يمكن أن تصبح التحولات العالمية الحالية فرصة لمصر؟
بالتأكيد يمكن أن تكون فرصة ولكن بشرط أن نمتلك القدرة لاستغلالها. الأزمات والتحولات العالمية لا تحقق مكاسب تلقائيًا وإنما تستفيد منها الدول التي لديها إنتاج قوي واستراتيجيات واضحة وقدرة تنافسية. لذا يجب النظر إلى البريكس والعملات البديلة كأدوات يمكن استخدامها لخدمة الاقتصاد وليس كحلول منفردة للمشكلات الاقتصادية.
وما الرسالة الأهم التي يجب أن تخرج بها مصر من هذه التحولات؟
الرسالة الأساسية هي أن قوة أي دولة في النظام الاقتصادي العالمي تبدأ من الداخل. إذا كان لدينا إنتاج قوي وصناعة وتكنولوجيا وقطاع خاص قادر على الاستثمار والتصدير سنستطيع الاستفادة من أي تغير يحدث في الاقتصاد العالمي. أما إذا استمرينا بالاعتماد على الاستيراد والديون دون زيادة حقيقية للإنتاج والصادرات فلن تحقق لنا عضوية أي تكتل أو استخدام أي عملة بديلة المكاسب المرجوة. وبالتالي فإن مستقبل الاقتصاد العالمي قد يشهد تعددًا أكبر للعملات والتكتلات لكن قدرة مصر على الاستفادة ستظل مرتبطة بقدرتها على بناء اقتصاد منتج وتنافسي يستطيع تحويل التحولات الدولية إلى فرص حقيقية للنمو.

