لم يعد مستغربًا أن يتزامن أي تحرك مصري في القارة الأفريقية مع موجة من المقالات والمنشورات التي تصدر عن بعض المنصات الإثيوبية، والتي تصور القاهرة باعتبارها مصدرًا لعدم الاستقرار في القرن الأفريقي.

في هذا السياق، جاء المقال المنشور في منصات الإعلام الإثيوبي بعنوان “دمى القاهرة في أسمرة”، الذي تجاوز حدود النقد السياسي إلى توجيه اتهامات مباشرة لمصر بأنها تدير “حربًا بالوكالة” ضد إثيوبيا عبر السودان وإريتريا.

ورغم حدة اللغة المستخدمة في المقال، فإن ما يلفت الانتباه ليس الاتهامات بحد ذاتها، وإنما طبيعة الخطاب الذي يعكس استمرار محاولة بعض الدوائر الإعلامية الإثيوبية تحويل أي تقارب مصري مع الدول الأفريقية إلى “مؤامرة”، متجاهلة حقائق الجغرافيا السياسية ومبادئ العلاقات الدولية.

إن مصر لا تحتاج إلى “دمى” أو “وكلاء” لبناء علاقاتها مع منظمة الوحدة الأفريقية، ولها تاريخ طويل في دعم حركات التحرر الوطني بالقارة. كما ترتبط بعلاقات دبلوماسية واقتصادية مع جميع دولها تقريبًا. ولذلك، فإن تصوير أي تعاون مصري مع السودان أو إريتريا أو تنزانيا أو الصومال باعتباره عملاً عدائيًا ضد إثيوبيا لا يعكس سوى رؤية ضيقة تختزل أفريقيا في صراع ثنائي حول سد النهضة.

واللافت أن أصحاب هذا الخطاب يتجاهلون أن مصر تنفذ واحدًا من أكبر مشروعات التنمية في أفريقيا، وهو مشروع سد ومحطة جوليوس تيري في تنزانيا، الذي أصبح نموذجًا للتعاون القائم على نقل الخبرات وليس على فرض النفوذ.

كما توسعت القاهرة خلال السنوات الأخيرة في برامج التدريب وبناء القدرات وزادت استثماراتها في مجالات الطاقة والبنية التحتية والصحة والتعليم داخل عدد من الدول الأفريقية. وهي مشروعات معلنة وموثقة تحظى بترحيب الحكومات الأفريقية.

أما الاتهام بأن مصر تستخدم السودان وإريتريا كـ”وكلاء”، فهو يفتقر إلى أي دليل سياسي أو قانوني. فالسودان وإريتريا دولتان ذاتا سيادة ولهما مصالحهما وحساباتهما الأمنية. ومن حقهما إقامة علاقات مع أي دولة، تمامًا كما تقيم إثيوبيا شراكات وتحالفات مع قوى إقليمية ودولية مختلفة. فهل يمكن، وفق المنطق نفسه، اعتبار جميع شركاء إثيوبيا مجرد “وكلاء” لها؟

والأخطر في هذا النوع من الخطاب أنه يتجاهل الأسباب الحقيقية للتوترات التي تعيشها المنطقة. فالحرب في السودان نتاج أزمة داخلية معقدة والتحديات الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ترتبط بتشابكات إقليمية ودولية متعددة. ولا يمكن اختزالها في رواية تُحمّل مصر مسؤولية كل ما يجري. إن هذا التبسيط لا يخدم فهم الواقع بل يهدف إلى خلق عدو خارجي يُلقى عليه اللوم في أوقات الأزمات.

ويبدو أن تصاعد هذه الحملات الإعلامية يتزامن مع تنامي الحضور المصري في شرق أفريقيا سواء عبر الزيارات الرئاسية أو الاتفاقيات الاقتصادية أو التعاون في مجالات النقل والطاقة.

وقد جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا لتؤكد هذا التوجه حيث ركزت المباحثات مع الرئيسة سامية صلوحو حسن على توسيع الشراكة الاقتصادية وربط الموانئ وتعزيز التجارة والاستثمار.

كما عكست التغطية الإعلامية التنزانية ترحيبًا واضحًا بالزيارة مع التركيز على الفرص التنموية التي توفرها الشراكة مع مصر وهو ما يناقض السردية التي تحاول بعض المنصات الإثيوبية الترويج لها.

ومن الملاحظ أيضًا أن الخطاب الإعلامي الإثيوبي لا يوجه انتقاداته إلى سياسات مصر فحسب بل يمتد إلى التشكيك في استقلالية قرارات دول أفريقية أخرى وكأن هذه الدول لا تمتلك إرادة سياسية أو قدرة على تحديد مصالحها الوطنية.

وهذا الطرح لا ينتقص من مصر وحدها بل يحمل في طياته نظرة استعلائية إلى دول القارة ويختزل قراراتها في كونها انعكاسًا لتأثير قوى خارجية.

إن التنافس الإقليمي أمر طبيعي في العلاقات الدولية لكن تحويله إلى حملات تخوين واتهامات غير موثقة لن يسهم في تحقيق الأمن أو الاستقرار. فالقرن الأفريقي يواجه تحديات حقيقية من النزاعات المسلحة إلى الإرهاب وتغير المناخ والأمن الغذائي وهي ملفات تحتاج إلى التعاون لا إلى تأجيج الاستقطاب الإعلامي.

وفي النهاية، فإن السياسة تُقاس بالأفعال لا بالشعارات وما أنجزته مصر على الأرض في أفريقيا من مشروعات تنموية وشراكات اقتصادية وبرامج لبناء القدرات يمثل الرد العملي على الاتهامات التي تروج لها بعض المنصات الإعلامية.

أما لغة “الدمى” و”الوكلاء” فهي تعكس خطابًا تعبويًا يخاطب الداخل أكثر مما يقدم قراءة موضوعية لمعادلات الإقليم.

ويبقى السؤال الأهم: هل يخدم هذا الخطاب مستقبل القرن الأفريقي أم أنه يكرس الانقسام ويعمق حالة انعدام الثقة بين دول الجوار؟ الإجابة ستحدد ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو شراكات قائمة على التنمية أم ستظل أسيرة لسرديات الصراع والتخوين.