كشف تحقيق بصري أجرته شبكة “سي بي سي نيوز” أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قامت بتوسيع ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، الذي يحدد المناطق الخاضعة لسيطرتها في غزة، متجاوزة بوضوح الحدود التي رسمتها خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في أكتوبر 2025.
وأظهر التحقيق أن جيش الاحتلال نقل المكعبات الخرسانية الصفراء التي ترسم الخط الأصفر الإسرائيلي إلى عمق أكبر داخل غزة، وفي بعض المناطق بمسافة تزيد عن كيلومتر واحد، ما تسبب في تدمير ممتلكات مدنية واسعة وخلق ما يصفه محللون عسكريون بأنه “منطقة قتل” بحكم الأمر الواقع على الأرض.
تداعيات تمدد الخط الأصفر الإسرائيلي في غزة
وأوضح أندرياس كريج، المحاضر الأول في كلية الدراسات الأمنية بجامعة “كينجز كوليدج” في لندن، طبيعة المخاطر المحيطة بالمنطقة قائلا: “إذا اقترب الفلسطينيون من هذه المكعبات، فسيتم إطلاق النار عليهم”.
وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد جرى التحقق من استشهاد 196 فلسطينيا بهجمات إسرائيلية بالقرب من هذا الخط بين أكتوبر الماضي وأوائل أبريل، وكان من بين الضحايا 18 امرأة و43 طفلا.
وفي المقابل، رد جيش الاحتلال الإسرائيلي في بيان قائلا: “يجب التأكيد على أن الجيش لا يستهدف المدنيين لمجرد اقترابهم من الخط. لقد وضع الجيش قواعد اشتباك تتطلب استخدام وسائل تحذيرية قبل اللجوء للقوة”.
وادعى جيش الاحتلال في بيانه أن “هذه القواعد تتسق مع القانون الدولي، وأن الجيش يعمل فقط ضد عناصر معادية مع اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير المتورطين”.
وفي أكتوبر الماضي، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي وضع مكعبات خرسانية صفراء كل 200 متر على طول الخط بهدف “تحديد الوضوح التكتيكي على الأرض”، واصفا إياه بـ “الحدود الجديدة”.
وبحسب الخرائط العسكرية الإسرائيلية الرسمية، يمتد الخط الأصفر الإسرائيلي بين 1.5 و6.5 كيلومتر داخل قطاع غزة من الحدود الشرقية.
ورغم أن الخطة الأصلية كانت تمنح إسرائيل السيطرة على ما يزيد قليلا عن نصف مساحة غزة، إلا أن التغييرات الميدانية المستمرة منذ إعلان وقف إطلاق النار جعلت إسرائيل تسيطر الآن على حوالي 60% من مساحة القطاع، وفقا لتأكيدات جيش الاحتلال.
وتعهد رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في يونيو الماضي بتوسيع هذه المنطقة الخاضعة للسيطرة لتصل إلى 70% من مساحة القطاع.
طريق صلاح الدين في مرمى الخط الأصفر الإسرائيلي
وفي 29 يونيو الماضي، انتشرت على تطبيقات التواصل الاجتماعي “تيليجرام” و”فيسبوك” و”إكس” صورة لأحد هذه المكعبات الخرسانية مع مزاعم بأنه أصبح “على بعد مترين فقط من طريق صلاح الدين”.
وتحققت شبكة “سي بي سي” من أن الصورة أصلية وحديثة وتحمل تاريخ 29 يونيو
وبتحليل صور الأقمار الاصطناعية ومطابقتها مع الصورة المنشورة، أكد فريق التحقيق البصري أن المكعب يقع في حقل زراعي يبعد كيلومترا كاملا عن الخط الأصفر الأصلي، ما يعني أن خط الترسيم الفعلي أصبح الآن على بعد أمتار قليلة من طريق صلاح الدين، الشريان المروري الرئيس الذي يقطع قطاع غزة بالكامل.
ويقع هذا المكعب الخرساني تحديدا بالقرب من مداخل مخيمات النزوح الرئيسة في النصيرات والبريج وعند التقاطع مع شارع الدوحة الذي يؤدي مباشرة إلى محطة توليد الكهرباء في غزة.
وعلق كريج على هذا التطور الميداني قائلا: “إن السيطرة على طريق صلاح الدين جزء من مصلحة جيش الاحتلال في تقطيع أوصال القطاع، ما يسهل عليه التحكم في حركة الناس وفرض ما يعد فعليا احتلالا غير قانوني”.
وعبّر المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة لوسائل الإعلام الدولية عن مخاوفهم الكبيرة مؤكدين أن الخط المتغير يضعهم في خطر دائم حيث قد يجدون أنفسهم فجأة داخل منطقة السيطرة العسكرية الإسرائيلية بين عشية وضحاها.
وانتشرت صور تظهر فلسطينيين يقفون على هذه المكعبات أو بالقرب منها فيما أوردت شبكة “إن بي سي نيوز” الأمريكية أن مدنيين آخرين بينهم طفل في الثالثة من عمره تعرضوا لإطلاق نار مباشر أثناء تواجدهم في مناطق كانت تعتبر آمنة وقريبة من الخط.
وفي هذا السياق علقت راي آدمز رو فار، محررة الأبحاث في فريق غزة بوكالة “فورينسيك أركيتكتشر” البحثية التابعة لجامعة “جولدسميث” في لندن قائلة: “يتم تحصين الخط الأصفر بالبنية التحتية العسكرية وترسيخه كحدود مادية ما يهدد بجعل تركيز 2.1 مليون فلسطيني على أقل من نصف مساحة غزة وضعا دائما”

