محمد سعد عبد اللطيف.
الجمعة 24/يوليو/2026 – 02:34 م .
أثار القرار الذي اتخذته جامعة الملك سعود بإلغاء عدد من التخصصات، من بينها اللغة العربية، التاريخ، الجغرافيا، وعلم الاجتماع، جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية والثقافية. ورغم أن الجامعة أوضحت أن القرار يأتي في إطار إعادة هيكلة البرامج الأكاديمية بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل، فإن القضية تتجاوز حدود جامعة واحدة لتطرح سؤالًا أكبر: هل أصبح مستقبل العلوم الإنسانية في العالم العربي مهددًا؟
إن هذه ليست مجرد قضية تعليمية، بل هي قضية هوية ووعي وأمن قومي.
كيف نصنع طالبًا لا يعرف تاريخ أمته؟ وكيف نطلب من شاب أن يدافع عن وطنه وهو لا يعرف جغرافيته وحدوده وثرواته؟ وكيف يفهم ما يدور حوله من صراعات إذا لم يدرس التاريخ والجغرافيا والفلسفة؟
لقد أثبتت الأحداث أن العالم لم يستغنِ عن الجغرافيا، بل عادت بقوة إلى قلب السياسة الدولية. فالحرب في أوكرانيا هي في جوهرها صراع جغرافي على الأرض والموانئ والطاقة والحدود. وما يجري في الشرق الأوسط يرتبط بالممرات البحرية ومضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس وخطوط الغاز والنفط. لقد أحيت الحروب علم الجغرافيا، وأثبتت أن من يملك فهم المكان يملك جزءًا كبيرًا من فهم السياسة.
والتاريخ ليس مادة للحفظ من أجل الامتحان، بل هو ذاكرة الأمم. فمن لا يعرف تاريخه يكرر أخطاءه ويصبح فريسة سهلة لمن يعيد كتابة الماضي وفق مصالحه.
أما الفلسفة، فهي التي تعلم الإنسان كيف يفكر لا ماذا يفكر. وهي السلاح الحقيقي في مواجهة التطرف والتعصب والخرافة والتضليل الإعلامي.
ولعل التاريخ يقدم لنا نماذج ملهمة. فقد كان الأديب الكبير أنيس منصور من أوائل الثانوية العامة، واختار دراسة الفلسفة عن قناعة، فأصبح واحدًا من كبار مفكري وأدباء العرب. وكان المفكر العبقري جمال حمدان أيضًا من أوائل الثانوية العامة واختار الجغرافيا، فقدم للعالم العربي مدرسة فكرية لا تزال حية حتى اليوم. لقد رحل الرجل لكن علمه وسيرته بقيا أطول من عمره، وأثبت أن قيمة التخصص ليست في اسمه وإنما في العقول التي تبدع فيه.
المشكلة ليست في العلوم الإنسانية وإنما في طريقة تدريسها وفي ضعف ربطها بقضايا العصر وسوق العمل. فالحل ليس إلغاء هذه التخصصات بل تحديثها وربطها بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والدراسات الاستراتيجية وصناعة القرار.
إن الدول الكبرى لم تتخل عن التاريخ والجغرافيا والفلسفة لأنها تدرك أن الجندي يحتاج إلى الجغرافيا والدبلوماسي يحتاج إلى التاريخ وصانع القرار يحتاج إلى علم الاجتماع والمجتمع كله يحتاج إلى الفلسفة التي تعلمه التفكير.
إن إلغاء العلوم الإنسانية قد يوفر مقاعد دراسية لكنه لن يبني إنسانًا واعيًا. والأمم لا تنهض بالعلوم التطبيقية وحدها بل تنهض أيضًا بالإنسان الذي يعرف هويته ويفهم تاريخه ويقرأ جغرافيته ويحسن التفكير.
إنها صرخة قبل أن يتحول إلغاء العلوم الإنسانية إلى وباء ينتشر في جامعات العالم العربي. فالحفاظ على هذه العلوم ليس دفاعًا عن كليات بل دفاع عن العقل العربي وذاكرة الأمة ومستقبل أجيالها….،،!!
محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية.

