من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح “قطوف”، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب والرواد في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
تاجٌ من سنابل
هأنذي مترعةٌ بغِمار الأحزان، أعتصرُ الآهات في ثياب تزهو بربيع العمر، أعتقدُ بأنني لم أكُن كسائر فتيات ضيعتي؛ على الرُّغم من أنني صمدّت صمودًا يرتدي ملابس مهترئة ولم تحدُّني بادرة أملٍ في تحقيق ذاك الحلمُ الذي يراودني كالأميرات، إلاّ أنني أسرجت عنادل ثوراتي الجامحة لأكون مغايرة مُفعمةً بالآمال بأن أصبح تلك المُتوجة التي يشار لها بالبنان؛ هكذا.. كانت أفعالي منذ ريعان صباي تشي بطموحاتي بين فتيات جيلي اللائي اعتدن التمدرس والعودة إلى منازلهن للطهي والغسيل والمسح وأعمال التدابير المنزلية مع والداتهن -إلاّيَ- كان ذاك المُرصّع باليواقيت يغزو أبصاري حتى أني كنت أرسمه بين اللوحات وأتخيله في كلَّ مكان حتى بين ميازيب الشوارع ألقاه مسجياً يبادلني النظرات لأغازله فيُراوغني في ميوعة كأنه يلعب معي الغُميضة _إنه تاج التيجان لترتديه مليكة العقيان التي تصبحُ صبية إغراءات الشبان ونبراس الحسناوات بالأفنان، حينذا_ كنا نلهو وكنتُ أتغنج وأتراقص بين المروج حيثُ شجرة الصندل بجوار ذاك الجندل في الجوار بتلِّ الهوى؛ بلى، كنت أخالُها تاجاً أسطورية تعلو جذعاً يفوحُ برائحة المسك، أسرتي البسيطة التي تقطن في ريف مرابض الأطهار وترتدي أسمالاً، بمنأى عن العالم، أنا تلك الشَّهرزاد – التي ستغيّر قوانين مليكها الشهريار، هل يوجد في هذا الكون من يضاهي حُب أبي لي، أجترُّ الأحزان معه بعد رحيل أمي وأنا في مقتبل العمر أتحسَّس مستقبلي الغامض في غياهب التيه، تلك الحروب جعلتني جسداً هامداً بلا روح أو جمال، لمْ أعد أتنسّم عبير الحريات كصنم يضجّ بالبهاء من الداخل في مشكاة نورانية تريد أن تملأ العالم بتراتيل السلام، أيا تُرى – هلُ سيزول عرنوس الرماد وغرابيب الوجود؛ لا أذكُر سوى سعادة من دمية يهديني إياها أبي الذي يعملُ في حانوت المدرسة في ضَيعة (بورين) حيث تعرشُ أشجار الزيتون في كل ناحية، كنتُ أهرب إلى الطبيعة في أصقاع الأرض، بعيداً عن صديقاتي وأتريّض الوثب لالتقاط الفراشات بين العسجد والعوسج، وأصنعُ إكليلاً من ضفائر الصفصاف المنسدلة فوق خصلات شعري، هذا ما كنتُ أواسي نفسي به وأنا أجوبُ الظِّراب لأقوم بحلب المعزة الوحيدة وجني الزعتر والزيتون بهز الأشجار، وأعود أدراجي لأعُد الطعام مع أبي، وقتئذ – كنت أكتب مذكراتي وتُدمع فُرشاتي شكلاً مُزداناً بالآلئ والمجوهرات وفيروزة فجريّة كفتاة (البالِرينا) تتراقص معهُ على خشبة مسرح لمعزوفة نزار قباني أو مقطوعة شعرية لمحمود درويش؛ لم أنسى رسم ذاك التاج المزركش في خلواتي وفلواتي الذي وعدني إياه أبي وهوخِل الوحيد في هذا العالم الأسود بعدما نال الجميع شرف الشهادة للزود عن حياض الوطن،
.
( مرحى مرحى، عاشت الأميرة)… ألفظُ حروفاً تراودني في أحلامي وأسرجتُ لجامها لتنفث ما يحيك صدري وما يلوك وجداني؛ أيّما أضغاث تعتريني!
تلك الشهقةُ في الهواء البارد تتلوّى بداخل المُخيَّم فتُبلور شكلاً يشبه ذاك الشبح الذي استعمرني، تلك المحَجَّةُ البيضاء التي تلوح أمام محجريَّ المغرورقان بدمعة جفت ونضبت مآقيها وأظلمت بدياجير لكنها معشوشبة بيخضورٍ يشبه تاج؛ يمتزجُ مع الأحمر القاني الذي اتشحت به صفحات السماء فاغتالت نوارساََ اعتادت أن تقف على نافذة مهترئة، دفقة من قاذفات وراجمات رشقت أسماعي فاستحالت الغابة الخضراء إلى قحلٍ من خِراد؛ هكذا – بتُّ شاذَّة بهذا القبح من مغارات الصمت، والآن – توسد القبح وجودي؛ فلا قيمة لتاج ولا رداء ملَكيّ، حتى الطائرات الورقية التي يصنعها أبي أضحت نثاراً مبثوثاً كالهشيم تذروه رياح، مهيضة الجناح مثلي ملَّتْ النظر كثيرا إلى السماء، بيد أنها ألبستني أجنحة صنعها أبي أيضاً لكي أحلق بين بساتين تلفظ أنفاسها الأخيرة، عُدوان غاشم تتقاطر هجماته وأنا مازلتُ أشق طريقي بين المروج التي ارتقت سنابلها— لا أذكر حصرها، ويْحي! إن أضعتُ سنبلة أبي لأنني سأكون جثة هامدة حينها، أدعو الله قانتة بأن يحفظه حتى ولو عشت في كنف عكازه بعدما سلبه الأوغاد قدمه مثلما بتروا بسمَته، كِسرة خبز تكفينا ليوم، حتى الطحين ضجَّ من لون الغرَق، لا أعتقد بأنني أستطيع أن أصنع تحفتي باهتة! مياه البحر الآسنة لا تصلح للزراعة كي ترتوي العصوان الذهبية، أبي مازال قادراََ على استخدام الرحايا وتقطيع الحطب ليضرم شعلة تقينا الزمهرير، لم يعد هناك زيتوناً أو سوراً يشملنا، كأننا منبوذون بالعراء ولا ننتمي لهذا الكون، كابوس مرعب بين رواب حربٍ لا تبقي ولا تذر، ومازالت تلك الحالمة التي تعشق الألوان الزرقاء وتدون سعادتها وتغضّ الطرف عن مراقد الأحزان، لكنني لم أهنأ طويلاًبعدما لملمتُ أجزاء تاجي الرائع من بقايا جدائل متماسكة تتشبث بلون الشمس الذهبي والفضي، سيل أجيجٍ يمطرنا كأن يوم قيامتنا قد حان، أشعرُ بأن السماء قد امتلأت عن آخرها بالتيجان، أعرفهم جميعا كم هنَّ جميلات، لكنَّ أبي سيظل في الأرض هنا وسأفديه بروحي ولا ضير إن صرتُ مثلَهُنّ، لاصقتُ الثرى مع أبي الذي يحتضني وأنا أخبره: ( هل كنت فتاة مطيعة يا أبتاه؟)… ليبادلني بالردِّ وهو يحبس دمعة تكاد تنفلت ويطلق ترويدة تعانق عقَاله: (أنت روحي يا مليكتي وسنبلتي اليانعة الرائعة… أعدُك بأنَّك لن ترحلين)، لقد اختلط عليّ الأمر بين رغبة في عناقه طويلاً ورهبة من أن لا أرى مُحياه مرة أخرى، يتسلل غبار البارود إلى أنفي النازفة فأعرف بأن الخطر بات يداهمتي، لكنَّ الأكثر غرابة لما رأيتُ أبي يتأبطني بين أحضانه هاشا باشا يعطِّر أنفاسي بمسك ليس كمثله في الدنيا، لم يكن هو من يغلفني بعيداً عن مرمى النيران، ولكنَّه جسدٌ فاضت روحه وتمخَّضَ عن تاجٍ هائل مُرصعٍ بسنابل لم تره عينٌ قطّ!

