يرى خبيران زراعيان أن التغير المناخي لم يعد مجرد تحذيرات ترددها التقارير الدولية أو توقعات بعيدة المدى، بل تحول إلى واقع يفرض نفسه على الحقول المصرية ويترك بصماته على إنتاج المحاصيل وتكاليف الزراعة، وصولًا إلى أسعار الغذاء على موائد المواطنين.

وبينما تحذر دراسات دولية من أن استمرار الضغوط المناخية قد يؤدي إلى تراجع إنتاجية المحاصيل الإستراتيجية واتساع الفجوة الغذائية وزيادة الاعتماد على الواردات.

في هذا التقرير، يرصد “مصراوي” كيف أصبحت التغيرات المناخية عاملًا مؤثرًا في الزراعة المصرية، وما هي أبرز المحاصيل الأكثر تضررًا، وكيف انعكس ذلك على المزارعين والإنتاج، وما الذي تقوله الدراسات العلمية والخبراء بشأن مستقبل الأمن الغذائي في ظل استمرار التقلبات المناخية.

التغير المناخي.. لا يترك شيئًا

يقول حسين أبو صدام نقيب الفلاحين إن التغيرات المناخية تعد من أكبر التحديات التي تواجه الزراعة المصرية خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أنها لم تعد مجرد ظاهرة بيئية بل أصبحت عاملًا مؤثرًا بصورة مباشرة في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.

ويوضح أبو صدام لـ”مصراوي” أن التغيرات المناخية تتسبب في العديد من الظواهر السلبية، من بينها ارتفاع منسوب المياه الجوفية في بعض المناطق وما يصاحبه من تدهور في التربة وهبوط الأراضي، فضلًا عن السيول التي قد تجرف الأراضي الزراعية والرياح الشديدة التي تتسبب في كسر الأشجار أو إسقاط الأزهار، بجانب انتشار آفات وأمراض جديدة تؤدي إلى انخفاض الإنتاج أو هلاك بعض المحاصيل.

ويشير إلى أن التأثير المباشر للتغيرات المناخية ظهر بوضوح خلال الفترة الماضية في محاصيل الخضر، حيث ساهم انتشار الأمراض وانخفاض الإنتاجية في ارتفاع الأسعار. ويذكر أن تأثير التقلبات المناخية يختلف باختلاف الموسم الزراعي وطبيعة المحصول.

ويرى أن التأثير الحالي للتغيرات المناخية يعد محدودًا نسبيًا، معللًا بأن معظم محاصيل الفاكهة الصيفية مثل المانجو والعنب دخلت بالفعل مراحل الحصاد أو اكتمال النمو، كما أن محصول الطماطم يشهد حاليًا ذروة الإنتاج، بينما لا تزال البطاطس في المراحل الأولى من الموسم الزراعي وهو ما يقلل من حجم التأثير في الوقت الراهن.

ويذكر نقيب الفلاحين أن المخاوف الحقيقية ترتبط بالفترة المقبلة، إذ إن استمرار موجات الحرارة المرتفعة أو الانخفاضات المفاجئة في درجات الحرارة، فضلًا عن الرياح والسيول والأمطار غير المعتادة قد يؤدي إلى تراجع الإنتاجية وفي بعض الحالات إلى هلاك المحصول بالكامل.

في دراسة “آثار التغير المناخي والاعتماد على مياه النيل والحلول السياسية على الأمن الغذائي في مصر” الصادرة عن مجلة ساينتفك ريبورتس تشير إلى أن زيادة التغير المناخي بنسبة 1% تخفض مؤشر الأمن الغذائي بنحو 0.032% وهو ما يعادل فقدان نحو 8 سعرات حرارية للفرد يوميًا. كما أن كل زيادة بنسبة 1% في اضطرابات المناخ تخفض الأمن الغذائي بنحو 1.62% أي ما يعادل خسارة تقارب 40 سعرة حرارية للفرد يوميًا. وتذكر الدراسة أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة يهدد إنتاج المحاصيل ويقوض الأمن الغذائي في مصر.

كما تخلص الدراسة إلى أن مستقبل الأمن الغذائي في مصر يعتمد على 4 محاور رئيسية: رفع الإنتاجية الزراعية والتوسع في الطاقة المتجددة وإصلاح إدارة مياه النيل وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على التكيف مع التغير المناخي. بينما حذرت من أن استمرار الاعتماد التقليدي على مياه النيل مع تزايد الضغوط المناخية والسكانية قد يحول المياه من مصدر قوة إلى عامل يهدد الأمن الغذائي على المدى الطويل.

تحديات غير مسبوقة

من ناحيته، يقول عمر عزب المهندس الزراعي إن التغيرات المناخية أصبحت تفرض تحديات غير مسبوقة على القطاع الزراعي. مشيرًا إلى أن الارتفاع المستمر في درجات الحرارة أدى إلى زيادة ملحوظة في انتشار الآفات والحشرات بجانب ارتفاع قدرتها على مقاومة المبيدات المستخدمة وهو ما انعكس بصورة مباشرة على إنتاجية العديد من المحاصيل.

يوضح عزب لـ”مصراوي” أن ارتفاع درجات الحرارة يوفر بيئة مثالية لنشاط عدد كبير من الحشرات مثل ذبابة الفاكهة والديدان. لافتًا إلى أن استمرار موجات الحر لفترات طويلة يمنح هذه الآفات فرصة أكبر للتكاثر بخلاف ما كان يحدث سابقاً عندما كانت درجات الحرارة تنخفض بعد أيام قليلة بما يحد من نشاطها.

ويضيف أن نقص المياه يمثل أحد أخطر الآثار المرتبطة بالتغيرات المناخية حيث يؤدي إلى زيادة ملوحة الأراضي الزراعية نتيجة عدم توافر كميات كافية من مياه الري لغسل الأملاح. ذاكرًا بعض الأراضي التي لم تعانِ من أي ملوحة سابقاً والتي بدأت تظهر بها هذه المشكلة بسبب انخفاض كميات المياه.

ويشير إلى أن محصول الذرة يعد من أكثر المحاصيل تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة موضحًا أن الديدان تنشط بصورة كبيرة في الأجواء الحارة مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية إلى أقل من نصف المعدلات الطبيعية أحياناً حتى مع تنفيذ برامج المكافحة لأن استمرار الحرارة المرتفعة يسمح باستمرار دورة حياة الآفة وتفقيس البيض بشكل متواصل.

ويلفت عزب أيضًا إلى تأثير التقلبات المناخية الحادة بين الارتفاع والانخفاض المفاجئ في درجات الحرارة على أشجار الفاكهة خاصة خلال فترات التزهير والعقد حيث تؤدي موجات الحر التي يعقبها انخفاض شديد في الحرارة إلى تساقط العقد وهو ما ينعكس سلباً على حجم الإنتاج. مشيراً إلى أنه لا يوجد علاج مباشر لهذه الظاهرة حتى الآن.

في دراسة “أهم المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية للتحديات التي تواجه الأمن الغذائي للمحاصيل الإستراتيجية في مصر” المنشورة بمجلة إنفيرومينتال آند ساستانابلتي إنديكيتورز تشير الدراسة إلى أن مصر تواجه اتساعاً مستمراً للفجوة الغذائية نتيجة تداخل عدة عوامل أبرزها ندرة المياه والتعدي العمراني على الأراضي الزراعية وتراجع معدلات الاكتفاء الذاتي والاعتماد المتزايد على الواردات لا سيما القمح والزيوت النباتية.

وتعتبر الدراسة المياه أكبر تحدٍ مستقبلي للأمن الغذائي كما تلفت الدراسة أيضًا إلى أنه قد انخفض نصيب الفرد من المياه من 2604 م³ عام 1947 ليصل الآن نحو 560 م³ وهو أقل بكثير من حد الفقر المائي الذي تحدده الأمم المتحدة (1000 م³ للفرد سنويًا) وذلك مع ثبات حصة مصر من مياه النيل عند 55.5 مليار م³ سنويًا منذ اتفاقية 1959 بينما تستهلك الزراعة 82% من الموارد المائية الحالية ومن المتوقع أن تصل احتياجات المياه إلى 90.7 مليار م³ بحلول 2050 مقابل 76 مليار م³ حالياً.

وتشير الدراسة أيضًا إلى أن التغير المناخي يقلص الإنتاج الزراعي إذ يؤثر مباشرةً على إنتاج المحاصيل حيث يُتوقع انخفاض إنتاج القمح والشعير بنحو 18% والأرز بنحو 11%. ومن المتوقع تراجع الإنتاج الزراعي المصري بنحو 3.8% بحلول عام 2050 كما قد يؤدي ارتفاع مستوى البحر إلى غرق بين 12-15% من مساحة الدلتا مع زيادة ملوحة المياه والتربة.

الطماطم.. المتضرر الأكبر

ويوضح عزب أن الخضروات تعد أكثر المحاصيل تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة وعلى رأسها الطماطم بجانب محاصيل مثل الشبت والكزبرة والبقدونس مشيراً إلي أن الحرارة المرتفعة تؤثر سلباً على جودة النباتات وإنتاجيتها كما تتسبب أيضًا بتغيير لون ثمار الطماطم وتراجع المحصول بشكل عام.

ويضيف أنه رغم كون الذرة محصولاً صيفيًا إلا أنها تحتاج لدرجات حرارة مناسبة خلال مراحل تكوين الكوز موضحاً أنه إذا ارتفعت درجة حرارة الجو بشكل كبير خلال هذه المرحلة فإن ذلك سيؤدي لانخفاض واضح بالإنتاج.

كما يشير عزب إلي نشاط الحشرات الذي يزداد بصورة كبيرة عندما تتجاوز درجات الحرارة 35 درجة مئوية بينما تتحول الأوضاع لمستويات أكثر خطورة مع تجاوز درجة حرارة الـ36 حيث تنتشر الديدان والتربس وغيرها بكثافة أكبر مما يؤثر سلباَ علي الانتاج.

وفيما يتعلق بتكاليف المكافحة يوضح المهندس الزراعي بأن أشجار الفاكهة تحتاج عادةً نحو عشر رشّات حشرية سنويًّا لافتاً إلي ان الفدان الواحد يستهلك لكل رشة نحو أربع “ملوات” مبيد بينما يتراوح سعر الملوة بين600 وألف جنيه مما يعني ان تكلفة مكافحة الحشرات فقط تصل لنحو24 أو25 ألف جنيه للفدان سنوياً دون احتساب تكاليف التسميد أو مقاومة الأمراض الفطرية.

كما يرتفع إجمالي تكلفة الإنتاج بصورة أكبر بعد إضافة عناصر التغذية المختلفة مثل البوتاسيوم واليوريا والحديد والمنجنيز والمغنيسيوم والزنك وغيرها اللازمة لاستعادة حيوية الأشجار بعد موسم الحصاد.

ويلفت عزب إلي ان الطماطم تعد واحدةً من أغلى المحاصيل تكلفةً لمكافحة الآفات حيث قد تتجاوز تكلفة المبيدات وحدها خمسين ألف جنيه للفدان بسبب انتشار آفات خطيرة مثل سوسة الطماطم وصانعات الأنفاق والتي تنشط بشكل كبير مع ارتفاع درجات الحرارة وتتسبب بخسائر قد تتجاوز نصف الانتاج.

أسعار اليوم وتوقعات الغد

فيما يتعلق بأسعار الخضروات توقع نقيب الفلاحين استمرار حدوث تقلبات سعرية نتيجة تغير حجم الإنتاج مشيراً إلي ان أسعار المحاصيل لا ترتبط بالتغيرات المناخية وحدها وإنما تخضع أيضاً لآليات العرض والطلب لافتاً إلي ان بعض الظواهر الجوية قد تؤدي أحياناً لتسريع نضج المحاصيل وزيادة المعروض مما ينعكس بانخفاض الأسعار رغم تدني جودة المنتج.

Additionally, some crops such as potatoes may see price increases in the coming period, not directly due to climate changes but as a result of reduced available quantities and increased demand, especially with part of the production going towards export.

The farmer or breeder remains the primary victim of climate change as it leads to increasing production costs continuously, noting that the extent of losses varies depending on the type and severity of the climatic phenomenon; heavy rains may impose additional costs for draining water and treating crops, while floods can lead to total crop loss, and rising temperatures can cause flower drop, weak setting, and reduced productivity.