بين النص القانوني والمنصات الرقمية: كيف ينظم التشريع الجزائري الصمت الانتخابي؟

مع كل استحقاق انتخابي يتجدد الحديث عن فترة الصمت الانتخابي باعتبارها إحدى المحطات الأساسية في المسار الانتخابي، والتي تهدف إلى توفير مناخ هادئ يسمح للناخب باتخاذ قراره بعيدًا عن تأثير الحملات الدعائية والرسائل السياسية المتواصلة. غير أن التطور التكنولوجي الذي عرفته وسائل الاتصال خلال السنوات الأخيرة وما صاحبه من انتشار واسع لمنصات التواصل الاجتماعي، أعاد طرح تساؤلات حول مدى إمكانية تطبيق هذا المبدأ في الفضاء الرقمي الذي يتميز بسرعة تداول المعلومات وصعوبة التحكم في المحتوى المنشور عبره.

ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة في الجزائر في ظل اقتراب مختلف المواعيد الانتخابية، حيث يحدد القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات بشكل دقيق الإطار القانوني للحملة الانتخابية وفترة الصمت الانتخابي، كما يحدد المخالفات والعقوبات المرتبطة بعدم احترام الأحكام المنظمة لها.

وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن المنصات الرقمية فرضت واقعًا جديدًا جعل تطبيق الصمت الانتخابي أكثر تعقيدًا، يؤكد مختصون في القانون الدستوري أن وجود وسائل جديدة للتواصل لا يلغي سريان القواعد القانونية ولا يعفي الفاعلين السياسيين والمواطنين من الالتزام بها.

الصمت الانتخابي.. إجراء قانوني لضمان حرية الاختيار

يقصد بالصمت الانتخابي الفترة الزمنية التي تسبق موعد الاقتراع والتي يمنع خلالها القيام بأي نشاط دعائي أو ترويجي لصالح مترشح أو قائمة مترشحين أو حزب سياسي مشارك في الانتخابات. ويهدف هذا الإجراء إلى تحقيق جملة من الغايات المرتبطة أساسًا بحماية الإرادة الحرة للناخب من خلال إبعاده مؤقتًا عن الضغوط الدعائية التي ترافق الحملات الانتخابية، ومنحه فرصة للتفكير في البرامج والوعود الانتخابية واتخاذ قراره بناءً على قناعته الشخصية.

ويعد الصمت الانتخابي من الآليات المعمول بها في العديد من الأنظمة الانتخابية عبر العالم، وإن كانت مدته وكيفية تطبيقه تختلف من دولة إلى أخرى. فبعض التشريعات تفرضه لمدة يوم واحد فقط، بينما تمتد المدة في دول أخرى إلى يومين أو ثلاثة أيام أو أكثر بحسب خصوصية كل نظام انتخابي. وفي الجزائر تم إدراج هذا المبدأ ضمن الأحكام المنظمة للحملة الانتخابية في القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، الذي وضع إطارًا زمنيًا واضحًا لممارسة النشاط الانتخابي وحدد بدقة تاريخ بدايته ونهايته.

الإطار القانوني للحملة الانتخابية في الجزائر

يشكل الأمر رقم 21-01 المؤرخ في 10 مارس 2021 والمتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات المرجع الأساسي المنظم للعملية الانتخابية في الجزائر، حيث جاء بمجموعة من الأحكام التي تضبط شروط الترشح وتنظيم الحملة الانتخابية وتمويلها والرقابة عليها وكذا المخالفات والعقوبات المرتبطة بها.

وفيما يتعلق بالحملة الانتخابية، تنص المادة 73 من القانون على أن الحملة الانتخابية تفتتح قبل ثلاثة وعشرين يومًا من تاريخ الاقتراع وتنتهي قبل ثلاثة أيام كاملة من تاريخ إجراء الانتخابات. ومن خلال هذا النص يتضح أن المشرع الجزائري لم يكتف بتحديد تاريخ انطلاق الحملة الانتخابية، وإنما حدد أيضًا تاريخ انتهائها بشكل صريح، الأمر الذي يؤدي تلقائيًا إلى دخول فترة الصمت الانتخابي حيز التنفيذ مباشرة بعد انتهاء الحملة.

وتكتسي هذه المدة أهمية قانونية خاصة لأنها تشكل جزءًا من النظام القانوني المنظم للانتخابات، وليست مجرد إجراء تنظيمي أو توجيه إداري يمكن تجاوزه أو تجاهله. وتتضح هذه الفكرة أكثر من خلال المادة 74 من القانون نفسه، التي تنص على أنه لا يمكن لأي كان أن يقوم بحملة انتخابية خارج الفترة المحددة قانونًا. وبذلك يصبح أي نشاط يدخل في إطار الحملة الانتخابية خارج الآجال القانونية المحددة مخالفة صريحة للقانون، سواء تعلق الأمر بنشاط سابق لبداية الحملة أو لاحق لانتهائها.

المنع يشمل الزمان والوسيلة

عند قراءة النصوص القانونية المنظمة للحملة الانتخابية يتبين أن المشرع لم يربط المنع بوسيلة محددة وإنما ربطه بالفعل ذاته. فالقانون لا يميز بين ملصق انتخابي أو تجمع شعبي أو برنامج تلفزيوني أو منشور إلكتروني أو بث مباشر عبر شبكة الإنترنت، بل يتعامل مع جميع هذه الوسائل باعتبارها أدوات يمكن استخدامها في إطار النشاط الانتخابي. وعليه فإن انتهاء الحملة الانتخابية يعني انتهاء الحق في ممارسة الدعاية الانتخابية بمختلف أشكالها ووسائلها، بصرف النظر عن طبيعة الوسيلة المستخدمة.

وفي هذا الإطار صرح أستاذ القانون الدستوري الدكتور موسى بودهان لـ”الأيام نيوز“ أن النصوص القانونية الحالية واضحة ولا تترك مجالا للغموض فيما يتعلق بفترة الصمت الانتخابي، مؤكدًا أن الحملة الانتخابية تكون مفتوحة خلال الفترة التي حددها القانون فقط، وتنتهي قبل ثلاثة أيام من الاقتراع وفقًا لما تنص عليه المادة 73 من القانون العضوي للانتخابات.

ويشير بودهان إلى أن المادة 74 جاءت لتؤكد هذا المبدأ بشكل أكثر وضوحا، من خلال منع أي نشاط يدخل في إطار الحملة الانتخابية خارج الفترة المحددة قانونا، بغض النظر عن الوسيلة المستعملة. وبحسبه فإن النقاش لا يتعلق بوجود وسائل تواصل جديدة من عدمه، وإنما يتعلق بمدى احترام النصوص القانونية وتطبيقها على الجميع دون استثناء.

وسائل التواصل الاجتماعي وتحدي الرقابة

شهدت السنوات الأخيرة تحولا عميقا في أساليب إدارة الحملات الانتخابية عبر العالم، حيث أصبحت المنصات الرقمية جزءا أساسيا من النشاط السياسي والاتصالي للمترشحين والأحزاب السياسية. فصفحات فيسبوك وحسابات إكس وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب تحولت إلى فضاءات يومية للتواصل مع الناخبين وعرض البرامج السياسية والتفاعل مع الرأي العام. ومع هذا التحول برزت تحديات جديدة تتعلق بمدى إمكانية مراقبة المحتوى الانتخابي المنشور عبر هذه المنصات خلال فترة الصمت الانتخابي.

وتتمثل أبرز هذه التحديات في الطبيعة المفتوحة للفضاء الرقمي وسرعة تداول المنشورات وإمكانية إعادة نشر المحتوى القديم بشكل مستمر، فضلا عن وجود حسابات وصفحات قد تكون موجودة خارج الحدود الوطنية. كما أن الخوارزميات المعتمدة من قبل المنصات الرقمية قد تواصل عرض محتويات انتخابية سبق نشرها خلال فترة الحملة حتى بعد انتهائها، وهو ما يطرح إشكالات عملية تتعلق بحدود المسؤولية القانونية وكيفية إثبات المخالفة.

غير أن هذه الصعوبات التقنية لا تعني من الناحية القانونية سقوط الالتزام باحترام فترة الصمت الانتخابي، إذ يبقى المبدأ القانوني قائمًا ما دام النص الذي يقرره قائمًا.

بين التوعية والردع

لا يعتمد احترام الصمت الانتخابي على العقوبات القانونية فقط، بل يرتبط أيضًا بمدى وعي مختلف الفاعلين السياسيين بأهمية احترام قواعد المنافسة الانتخابية. غير أن المشرع الجزائري لم يكتف بالجانب التوعوي بل أرفق الأحكام المنظمة للحملة الانتخابية بمجموعة من العقوبات الرامية إلى ردع المخالفات.

وفي هذا الإطار تنص المادة 290 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات على معاقبة كل من يضع ملصقات انتخابية خارج الأماكن المخصصة لذلك أو خارج فترة الحملة الانتخابية بغرامة مالية تتراوح بين 20 ألف دينار و50 ألف دينار. وتعكس هذه المادة حرص المشرع على ضمان احترام الضوابط الزمنية والمكانية للنشاط الانتخابي بما يكرس مبدأ المساواة بين جميع المترشحين.

هذا ويؤكد الدكتور موسى بودهان أنه لا يتحقق احترام الصمت الانتخابي فقط من خلال التوعية بأهميته وإنما أيضًا من خلال التطبيق الصارم للنصوص القانونية عند تسجيل أي تجاوزات. ويشير إلى أن دولة القانون تقتضي خضوع الجميع للأحكام القانونية المنظمة للعملية الانتخابية وأن وجود وسائل تكنولوجية حديثة لا يمكن أن يشكل مبررا لتجاوز القواعد التي حددها المشرع.

دور السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات

إلى جانب الإطار القانوني، أوكل المشرع الجزائري للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مهمة السهر على شفافية ونزاهة العمليات الانتخابية. وتتولى هذه الهيئة متابعة مختلف مراحل العملية الانتخابية ابتداءً من مراجعة القوائم الانتخابية وصولاً إلى إعلان النتائج النهائية مرورا بمراقبة الحملة الانتخابية ومدى احترام الأحكام القانونية المنظمة لها.

وقد عزز دستور 2020 مكانة هذه الهيئة باعتبارها سلطة مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري وهو ما يهدف إلى ضمان حيادها وفعاليتها في أداء المهام الموكلة إليها. وفي ظل التطورات الرقمية المتسارعة أصبحت مراقبة النشاط الانتخابي عبر الإنترنت جزءا من التحديات الجديدة التي تفرضها البيئة الرقمية ما يستدعي تطوير أدوات المتابعة والرصد بما يتماشى مع التحولات التي يشهدها قطاع الاتصال والإعلام.

الانتخابات بين الشرعية القانونية والثقة الشعبية

لا ينظر إلى الصمت الانتخابي باعتباره مجرد إجراء تنظيمي محدود زمنياً وإنما باعتباره جزءاً من منظومة متكاملة تهدف إلى حماية نزاهة الانتخابات وتعزيز الثقة في نتائجها. فكلما التزم الفاعلون السياسيون بالقواعد القانونية المنظمة للحملة الانتخابية تعززت مصداقية العملية الانتخابات وارتفعت ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.

ومن هذا المنطلق يعتبر احترام الآجال القانونية المحددة للحملة الانتخابات أحد عناصر تكافؤ الفرص بين المترشحين لأنه يمنع استمرار بعض الأطراف في التأثير على الناخبين خلال الفترة التي يفترض أن تكون مخصصة للتفكير واتخاذ القرار. وفي هذا السياق يلفت الدكتور موسى بودهان إلى أن الانتخابات لا تقتصر على اختيار أشخاص لشغل مناصب تمثيلية بل تتعلق بانتخابات ممثلين يتولون مهام دستورية أساسية تشمل التشريع والرقابة على عمل الحكومة وتمثيل المواطنين والمساهمة في رسم السياسات العامة للدولة.

قد يكشف الجدل المرتبط بالصمت الانتخابات في عصر وسائل التواصل الاجتماعي عن التحولات العميقة التي عرفتها الممارسة السياسية والاتصالية خلال السنوات الأخيرة غير أن هذه التحولات لم تغير جوهر القاعدة القانونية التي تحكم الحملة الانتخابات في الجزائر. فالقانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات حدد بدقة بداية الحملة الانتخابات ونهايتها ومنع أي نشاط انتخابي خارج الفترة المقررة قانوناً كما أقر جملةً من العقوبات لمواجهة المخالفات المرتبطة بها.

أما التحديات التي تطرحها المنصات الرقمية فتظل مرتبطة أساساً بآليات المتابعة والرقابة والتنفيذ أكثر من ارتباطها بوجود فراغ قانوني في النصوص المنظمة للعملية الانتخابات وبذلك يبقى احترام الصمت الانتخابات جزءاً من احترام قواعد المنافسة الديمقراطية وسيادة القانون انتظاراً لاستمرار تطور آليات الرقابة والتأطير بما يواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي.