في ظل تصاعد الجدل حول انضباط المشهد الفضائي وتراجع جودة البرامج، تبرز قضية “بيع وشراء الهواء” كواحدة من الأزمات الكبرى التي تضرب الإعلام المصري. لم تعد هذه الظاهرة مجرد تجاوزات فردية تُعالج بقواعد تنظيمية بسيطة، بل تطورت إلى تجارة منظمة و”مافيا” تفتح الأبواب أمام غير المؤهلين لتصدر الشاشات، مما يفرغ الرسالة الإعلامية من مضمونها التوعوي والخدمي ويهدد مصداقية المؤسسات أمام الجمهور.
في هذا السياق، دقت الدكتورة سارة فوزي، مدرس الإذاعة والتلفزيون والإعلام الرقمي بكلية الإعلام جامعة القاهرة، ناقوس الخطر بشأن تداعيات هذه الممارسات على المهنة. وأكدت أن تمكين أشخاص يفتقرون للخبرة الأكاديمية والمهنية لمجرد امتلاكهم القدرة المالية يعد انتهاكًا صارخًا لمواثيق الشرف الإعلامي. وطالبت بتدخل حاسم من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الإعلاميين لوضع حد لهذه الظاهرة وإعادة الانضباط للشاشة.
وأشارت الدكتورة فوزي إلى أن ظاهرة “بيع وشراء الهواء” تمثل واحدة من أخطر الممارسات التي تهدد مصداقية الإعلام المصري. فهي لم تعد مجرد تجاوزات فردية، بل تحولت إلى تجارة منظمة تُفرغ الرسالة الإعلامية من مضمونها وتفتح الباب أمام غير المؤهلين لتصدّر الشاشات.
وأضافت فوزي أن بيع وشراء الهواء أمر مرفوض تمامًا؛ لأنه يتجاوز مفهوم الشراكة مع البرامج ويتحول إلى وسيلة لتمكين أشخاص لا يمتلكون أي تأهيل مهني أو أكاديمي من الظهور على الشاشات المصرية فقط لأنهم يمتلكون القدرة المالية، مما يسيء لقيمة الإعلام ويفقده دوره الحقيقي في خدمة المجتمع المصري.
بيع الهواء يهدد مهنية الإعلام
وفي تصريحات خاصة لـ”فيتو”، أوضحت أن الأخطر في هذه الظاهرة هو استغلال صفة “إعلامي”، حيث يحصل بعض مقدمي البرامج على تصاريح ممارسة المهنة أو العضويات المهنية رغم عدم امتلاكهم المقومات الأساسية للعمل الإعلامي سواء من حيث الشكل المهني أو المضمون أو القدرة على التقديم والإعداد والإخراج.
كما أشارت إلى أن هذه الممارسات تحولت إلى “مافيا” وتجارة كبرى تستغل الشاشات الفضائية للترويج لمنتجات طبية غير مرخصة أو غير معتمدة من هيئة الدواء المصرية. بالإضافة إلى إتاحة الفرصة لأشخاص ينتحلون ألقابًا علمية ومهنية غير صحيحة، مما يمثل تضليلًا واضحًا للرأي العام.
ولفتت إلى أن الدليل على انتشار هذه الظاهرة أصبح واضحًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث تنتشر إعلانات ومجموعات تعرض استضافة ضيوف في البرامج مقابل مبالغ مالية تتراوح بين 4000 و5000 جنيه. مؤكدة أن الضيف أصبح يدفع المال للظهور على الشاشة، في مشهد لم يكن موجودًا في الإعلام الحقيقي الذي كان يستضيف أصحاب الرسائل الهادفة والخبرات والمحتوى المفيد.
ضرورة تشديد الرقابة على البرامج الفضائية
وأعربت الدكتورة سارة فوزي عن تأييدها الكامل للإجراءات التي اتخذها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تجاه إحدى القنوات الخاصة. مؤكدة أن المرحلة المقبلة تتطلب إجراءات أكثر حسمًا عبر تفعيل لجان متخصصة لرصد هذه النوعية من البرامج وعدم الاكتفاء بتوقيع العقوبات بل وقف برامج بيع الهواء نهائيًا لأنها لا تخضع لأي معايير مهنية في صناعة المحتوى أو اختيار الضيوف وتمثل انتهاكًا واضحًا لمواثيق الشرف الإعلامي وأخلاقيات المهنة.
وأكدت أنه يجب استدعاء ممثلي القنوات التي تعتمد على بيع وشراء الهواء ومساءلتهم، مع وضع ضوابط صارمة بحيث يؤدي تكرار هذه المخالفات إلى وقف البرامج وصولاً إلى إيقاف بث القنوات التي تستمر في هذه الممارسات المخالفة.
كما شددت على أن نقابة الإعلاميين تقع على عاتقها دور رئيسي في مراجعة المحتوى الإعلامي المقدم للجمهور والتأكد من توافر المعايير المهنية لدى مقدمي البرامج والمعدين والمخرجين. مؤكدة أن تصاريح ممارسة المهنة يجب أن تُمنح وفق معايير علمية ومهنية دقيقة وليس بناءً على القدرة المالية.
وترى فوزي ضرورة وجود لجان رصد دائمة تتابع ما يُبثّ على الشاشات حفاظاً على مهنية الإعلام محذرةً من أن استمرار هذه الظاهرة يمنح شرعية إعلامية لمن لا يستحقها ويضعه في مرتبة واحدة مع المؤسسات والبرامج التي تقدم محتوى جيداً ومسؤولاً.

