أكدت دار الإفتاء المصرية أن القياس يُعتبر أحد الأدلة الشرعية المعتبرة التي يعتمد عليها الفقه الإسلامي في استنباط الأحكام، موضحة أن العمل به تأسس على أصول شرعية راسخة من القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع العلماء، مما يجعله أداة أصيلة للتعامل مع الوقائع المستجدة والقضايا التي لا يرد بشأنها نص صريح.

القرآن الكريم يرسخ مشروعية القياس.

أوضحت دار الإفتاء أن من أبرز الأدلة على حجية القياس قول الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]، مبينة أن الاعتبار في اللغة والاصطلاح يقوم على الانتقال من الشيء إلى نظيره عند اشتراكهما في المعنى، وهو ما يتوافق مع حقيقة القياس الذي يقوم على نقل الحكم من الأصل إلى الفرع لاتحاد العلة.

وأشارت إلى أن عددًا من علماء الأصول استدلوا بهذه الآية على مشروعية القياس، ومن بينهم الإمام الغزالي والإمام الرازي، اللذان أكدا أن الأمر بالاعتبار يتضمن إقرار هذا المنهج الاستدلالي باعتباره وسيلة معتبرة للوصول إلى الأحكام الشرعية.

السنة النبوية تؤكد مشروعية الاجتهاد والقياس.

استشهدت دار الإفتاء بحديث بعثة معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، حين سأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن منهجه في القضاء، فأجاب بأنه يقضي بكتاب الله ثم بسنة رسوله، وإن لم يجد اجتهد برأيه، فاستحسن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وأقره.

وبيّنت أن دلالة الحديث تؤكد إقرار الاجتهاد كوسيلة للوصول إلى الحكم الشرعي عند غياب النص، وأن القياس يدخل ضمن مفهوم الاجتهاد باعتباره أحد أدواته الأساسية، إذ يقوم على البحث والاستدلال وربط الفروع بالأصول وفق الضوابط الشرعية.

الإمام الشافعي يربط بين القياس والاجتهاد.

أوضحت دار الإفتاء أن الإمام الشافعي اعتبر القياس والاجتهاد مفهومين متلازمين، بل عدّهما اسمين لمعنى واحد، وهو ما نقله في كتابه “الرسالة” حيث قرر أن الاجتهاد يتحقق من خلال إعمال القياس للوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح.

وأكدت أن هذا التصور يعكس المكانة المركزية للقياس داخل المنهج الأصولي الإسلامي باعتباره وسيلة لفهم النصوص وتطبيق مقاصدها على الوقائع المختلفة والمتجددة.

التطبيق النبوي يرسخ العمل بالقياس

أشارت دار الإفتاء إلى أن السنة النبوية اشتملت على تطبيقات عملية للقياس، ومن ذلك ما ورد في سؤال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قضاء الصوم عن والدته المتوفاة، فأجابه بقوله: «فدين الله أحق أن يُقضى»، حيث قاس النبي وجوب قضاء حق الله على قضاء حقوق العباد.

وأضافت أن العلماء استدلوا بهذا النوع من التطبيقات على أن القياس ليس اجتهادًا نظريًا مجردًا وإنما منهج عملي أقرته السنة النبوية واعتمد عليه الصحابة والفقهاء في استنباط الأحكام.

الأصول الفقهية تواكب المستجدات وتحفظ مقاصد الشريعة

خلصت دار الإفتاء إلى أن اعتماد القياس ضمن مصادر التشريع يعكس مرونة الفقه الإسلامي وقدرته على مواكبة المستجدات ويؤكد أن الشريعة لم تُقصر الأحكام على النصوص المباشرة فقط بل فتحت باب الاجتهاد المنضبط لاستيعاب الوقائع المتغيرة وتحقيق مصالح الناس في إطار مقاصد الشرع وأصوله الثابتة.