هناك لحظات، عزيزي القارئ، نشعر فيها وكأن جزءًا منا قد انتهى بالفعل. مشاعر تتلاشى، علاقات تنتهي، أوهام تتكسر، ومساحات داخلية كانت عامرة بالحياة تتحول فجأة إلى فراغ واسع. هذا الفناء الداخلي ليس ضعفًا كما نظن، بل هو بداية جديدة؛ بداية دهشة البقاء بعد أن ظننت أنك لن تقف مرة أخرى.

الفناء الحقيقي لا يشبه السقوط المعتاد، بل يشبه تلك اللحظة التي تكتشف فيها أنك لم تعد الشخص الذي كنت عليه بالأمس. وكأن الحياة أرادت أن تخلع عنك ثوبًا ضاق عليك، حتى لو كان ذلك الثوب هو الشيء الوحيد الذي اعتقدت أنه يمنحك الأمان. الفناء ليس نهاية، بل هو مساحة تُفرَّغ ليولد فيها معنى آخر، ورؤية جديدة، ونسخة أكثر اتساعًا منك.

والمدهش أن الإنسان لا يكتشف قوته إلا بعد أن يخسر شيئًا كان يظن أنه لا يستطيع العيش بدونه. كل فناء صغير نمر به يُعلّمنا درسًا لا تمنحه الانتصارات السهلة. ففي لحظة الانكسار تتجلى الحقيقة: أنك ما زلت قادرًا على الوقوف، وأن قلبك، رغم جراحه، ما زال يعرف طريق النهوض. هنا تظهر دهشة البقاء؛ حين تدرك أنك نجوت مما كنت تظنه قاتلًا.

الفناء يجعلنا أيضًا نرى ما لم نكن نراه من قبل. حين تنكسر بعض الأوهام، يتضح الطريق. حين تنتهي مرحلة معينة، يولد وعي جديد. عندما نترك شيئًا ما، نفهم قيمته أو ندرك أنه لم يكن لنا من البداية. لذلك، عزيزي القارئ، لا تخشَ الفناء الداخلي؛ فهو أحيانًا أصدق طريقة تكشف لنا أين نقف وما الذي نريده حقًا ومن نكون حين تسقط الأقنعة.

والبقاء بعد الفناء ليس مجرد نجاة، بل هو ميلاد آخر. ميلاد لا يشبه البدايات العادية لأنه مبني على وجع نقي وتجربة صادقة ونظرة أعمق إلى الذات. في البقاء بعد الانهيار يكتشف الإنسان أبسط وأقوى حقيقة: أنه قادر على حمل نفسه حتى حين يتخلى عنه الجميع.

كل سقوط صادق يترك وراءه شخصًا مختلفًا؛ أكثر فهمًا وأقل وهمًا وأشد قدرة على الوقوف. لكن الغريب أن بعض الناس ينهضون من السقوط وهم يشعرون أنهم كبروا من الداخل سنوات دفعة واحدة. لماذا يحدث ذلك؟ سنلتقي هناك في الكبسولة الفلسفية القادمة.

*****************************.

بقلم/ محمد جادالله.

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط.

[email protected].