لم تعرف الصحافة المصرية أبداً بسملة ذات الـ 12 ربيعًا، حتى راحت ضحية مذبحة الدواويس الأسبوع الماضي. وعندما فارقت الوردة الصغيرة الحياة وهي تسعى وراء لقمة العيش المر، كانت الصحافة مشغولة بأخبار لجين خليفة ورقصتها، وقصة عمرو دياب، وعودة شيرين، وفساتين ياسمين.

ولو واصلت بسملة رحلتها في الحياة وحققت ما تتمناه، لما اهتمت الصحافة بقصتها (الله يرحمها) أو عانت معاناة أهلها في تربيتها أو مشاكل قريتها. شعارها كان دائماً: صورة وفيديو وترند.

بسملة الصغيرة التي عملت باليومية منذ السابعة من عمرها تمثل عنواناً كبيراً لملايين يعيشون داخل مصر وخارجها. لن تجد أسمائهم إلا في صفحة الحوادث، حيث يصبحون هم الترند عندما يموتون في حادث طريق أو حريق أو على يد بلطجي أو بنيران صديقة. حينئذٍ ستنشر الصحف صور بسملة ورفاقها ومقاطع فيديو مؤلمة للأهالي وهم يبكون أحباءهم ويقصون معاناتهم.

كأن المواطن الطيب هو المواطن الميت. هذه المتلازمة الغريبة من التجاهل والإنكار ثم الاهتمام المفاجئ تطرح على الصحفيين تساؤلات مهنية بديهية لكنها معقدة، أحدها يمكن صياغته كالتالي: متى يستحق الإنسان أن تراه الصحافة وهو حي أم بعد موته؟

السؤال – ويا للمفارقة – طرحه بالفعل الصحفي الأميركي سام روبرتس الكاتب البارز في نيويورك تايمز في كتاب أصدره يوم وقوع مأساة بسملة وصحبتها. كتب روبرتس نحو 1600 مقال تأبين (نعي) في نيويورك تايمز منذ عام 2016.

في كتابه “هل ماتوا بعد؟ فن كتابة النعي”، يكشف الصحفي المخضرم أن اختيار الشخص الذي تنشر الصحيفة عنه مقال نعي (مجانًا) يعكس قيم المجتمع وانحيازاته، حتى لو كان النص مكتوبًا بغرض التمعن والتبصر في مسيرة شخصية لعبت دوراً في الحياة، سلباً أم إيجاباً.

ويضيف أنه إذا نظرنا إلى مقالات التأبين مجتمعة، فإنها يمكن أن ترسم صورة للقيمة الاجتماعية والثقافية لعصر كامل. الأمر نفسه ينطبق على النعي في الصحافة المصرية، لكن بطريقة مختلفة.

إنه إعلان مدفوع الأجر لمن استطاع إليه سبيلاً. وعادةً ما يتجاوز سرد أسماء أقارب الميت وأنسبائه ومناصبهم، دون ذكر لأعمالهم أو ما تركوه خلفهم، فقط مجرد استعراض طبقي. بالتالي كان من المستحيل أن يظهر اسم بسملة أو سيرتها ولو في صفحة الوفيات المحجوزة للوجهاء. مما يعني أنه حتى في الموت، يتوقف الأمر على ما إذا كنت من مصر أم من خارجها.

على العكس من ذلك في التجربة الأميركية. يقول روبرتس إن هجمات سبتمبر جعلت مقالات النعي أكثر مساواة بين البشر بعدما كانت أكثر تحيزًا للبيض. فعلى مدار خمسة أشهر تلت الاعتداءات نشرت نيويورك تايمز سلسلة «بورتريهات الحزن»، وهي إضاءات قصيرة عن ضحايا الهجمات من كل جنس ولون.

رسم الصحفيون نحو 2500 بورتريه، نصوص لا تتجاوز 200 كلمة بعد مقابلات مع عائلات الضحايا والمفقودين وأصدقائهم. لماذا لم يحدث ذلك في صحافتنا رغم احتفائنا المتوارث بالموت وطقوسه وكثرة ضحايا الموت العشوائي؟

الإجابة تكمن على الأرجح في اختلاف النظرة إلى الإنسان ومدى احترام قيمة حياته حتى لو كان عاملاً باليومية.

ومع ذلك، يستحق أولئك الذين شغلوا الناس بأعمالهم أن يتذكروهم بعد وفاتهم بمقالات نعي مهنية يجد فيها القراء العظة والعبرة. يظهر من كتاب روبرتس مثلاً أن نيويورك تايمز لديها نحو ألفي مقال نعي جاهزة للنشر لشخصيات بارزة ما زالت حية ترزق.

يجري تحديث هذه المقالات باستمرار حتى يحين أجل صاحبها ليتم نشرها فوراً. بذلك تتجنب الارتباك الذي يسيطر على صحافة أخرى عندما تتوفى شخصية شهيرة، فلا تجد ما تنشره إلا أخبارًا متعجلة بمعلومات شحيحة تخلو من المعنى والمضمون.

أما بسملة التي لم تكد تقول بسم الله للحياة، فلم تكن تحلم أبداً بنعي كبير ببنط بارز. فقط كانت تريد أن تراها الصحافة وهي حية.