الخميس 16/يوليو/2026 – 05:04 م 7/16/2026 5:04:39 PM .

تعددت أسباب اللجوء إلى بدائل السكر؛ فمن الناس من هجره خوفًا على صحته، ومنهم من ابتغى وزنًا أخف، ومنهم من صدق الوعود التي بشرت بحياة أكثر عافية. لكن الحقيقة أن هذه البدائل، مهما تنوعت، لا تمنح الرضا ذاته الذي يمنحه الأصل، ذلك الذي نتهمه بأنه المهلك.
توقفت اليوم وأنا أفتح أحد تلك الأكياس الصغيرة لأحلي مشروبي. راودتني فكرة عابرة: ليت الأمر يتوقف عند فنجان القهوة، وليت شيئًا من هذه الحلاوة يمتد إلى الحياة نفسها. ففي كل مرة أضيف فيها قليلًا من السكر، أتمنى أن يحلو الكلام، وأن تلين الطباع، وأن يصبح الوقت أقل قسوة.
ثم يذهب بي الخيال إلى سؤال أكثر غرابة: هل يمكن أن نجد بديلًا لتحلية البشر؟ بديلًا يخفف مرارة القلوب، ويعيد إلى الوجوه بهجتها، ويجعل الاختلاف سببًا للحوار لا للحروب الصغيرة التي نخوضها كل يوم؟
لكنني أعود سريعًا إلى الواقع، فأكتشف أن للحياة مذاقها الأصلي أيضًا، وأن كل محاولة لصناعة نسخة اصطناعية من الحب أو الخير أو الجمال لا تنتج إلا طعمًا باهتًا، يشبه الأصل ولا يبلغه.
لهذا تبدو محاولات بعض الناس مثيرة للشفقة أكثر منها للإعجاب. يدخلون إلى الحياة من أبواب الوعظ، ويجلسون على منابر جافة، بأجساد متخشبة ووجوه لا تعرف الابتسام، ويحدثون الناس عن الحب، ويشرحون لهم الجمال، ويوزعون الخير كما لو كان منشورًا إداريًا أو لائحة تنفيذية.
وفي غمرة هذا الدور، ينصبون أنفسهم قضاة على الأرواح؛ يمنحون هذا شهادة الصلاح ويحجبونها عن ذاك، ويتحدثون وكأنهم وحدهم يملكون الحقيقة وأنهم الفرقة الناجية وما عداهم مجرد مشروع ضلال.
والغريب أن أكثر من يرفعون شعارات المحبة هم أقل الناس قدرة على احتمال اختلاف الآخرين. وأكثر من يتحدثون عن الأخلاق يبيحون لأنفسهم السخرية والشماتة والإقصاء وكأن الكلمة الجارحة أصبحت وسيلة من وسائل الإصلاح.
الحب لا يحتاج إلى خطيب بل إلى إنسان. والخير لا يصنعه شعار بل سلوك يومي. أما الجمال فلا يقيم في الأصوات المرتفعة وإنما في روح تعرف كيف تترك أثرًا طيبًا دون أن تطلب تصفيقًا.
لذلك كلما فتحت كيسًا من بديل السكر تذكرت أننا نجحنا في صناعة بدائل لكل شيء تقريبًا… إلا الإنسان. فما زال بلا بديل وما زالت القلوب لا يحليها إلا قلب صادق والكلمات لا يحليها إلا صدق أصحابها.