قالت ولاء عبدالمرضي الحصري، الباحثة في الشؤون الإسرائيلية الحديثة والمعاصرة، إن قرى الضفة الغربية تشهد في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة المداهمات العسكرية الإسرائيلية واقتحامات المستوطنين، مصحوبة بحملات اعتقال واسعة للفلسطينيين وتدمير لممتلكاتهم والاعتداءات الجسدية. وأشارت إلى أن هذه التطورات لا يمكن فهمها بمعزل عن الفكر الديني الصهيوني، الذي لا يعتبر الضفة الغربية مجرد منطقة محتلة، بل جزءًا مما يُطلق عليه “يهودا والسامرة”، وهي تسمية تستند إلى الرواية التوراتية التي تعتبر هذه المنطقة جزءًا من “أرض إسرائيل الكبرى” كما يدعي البعض.

إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية

وأكدت الحصري، في تصريح لصحيفة “فيتو”، أن هذه المداهمات تأتي في إطار استراتيجية شاملة تسعى إسرائيل من خلالها لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية بما يخدم المشروع الاستيطاني على المدى القصير. فالضفة الغربية تحمل مكانة خاصة في الفكر الديني اليهودي، ومن ثم تعمل السياسات الإسرائيلية الحالية على خلق بيئة طاردة للفلسطينيين عبر الجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي والنفسي، مما يدفع السكان إلى الرحيل القسري أو تقليص وجودهم في المناطق المستهدفة، خاصة تلك الواقعة في محيط الكتل الاستيطانية أو المصنفة كمناطق (ج).

المداهمات الليلية: أدوات لإضعاف البنية المجتمعية الفلسطينية

واصلت الحصري حديثها قائلة: إن الاعتقالات المتكررة والمداهمات الليلية ليست مجرد أدوات أمنية كما يدعون، بل هي وسائل لإضعاف البنية المجتمعية الفلسطينية وإشاعة حالة من الخوف وعدم الاستقرار تمهيدًا لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض. كما أن تزايد اعتداءات المستوطنين، والتي تتم غالبًا تحت حماية الجيش الإسرائيلي أو في ظل غياب أي مساءلة قانونية، يعكس وجود تكامل بين المؤسسة الرسمية والحركة الاستيطانية. فالمستوطنون أصبحوا يؤدون دورًا ميدانيًا في فرض وقائع جديدة على الأرض بينما توفر لهم الحكومة الإسرائيلية الغطاء السياسي والأمني. وهذا يشير إلى أن هذه الاعتداءات ليست أحداثًا عشوائية بل جزء من سياسة تهدف إلى تغيير الخريطة السكانية في الضفة الغربية.

وأضافت أن خطورة هذه الممارسات تزداد مع وجود حكومة إسرائيلية تعد الأكثر تطرفًا في تاريخ البلاد، حيث يعلن عدد من وزرائها بشكل متكرر دعمهم لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية ورفضهم إقامة دولة فلسطينية. وفي هذا السياق تصبح حملات الاعتقال والمداهمات إحدى أدوات تنفيذ هذه الرؤية عبر إضعاف الوجود الفلسطيني وتعزيز التوسع الاستيطاني.

وتابعت: من منظور استراتيجي، فإن ما يجري يتجاوز البعد الأمني ليقترب من سياسة “التهجير الصامت” التي تعتمد على استنزاف الفلسطينيين تدريجيًا دون إصدار قرارات رسمية بالطرد الجماعي. وهذا يجعلها أقل إثارة للضغوط الدولية لكنها لا تقل خطورة من حيث النتائج النهائية. فالهدف النهائي يتمثل في خلق أغلبية يهودية بأكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية مع تقليص الوجود الفلسطيني إلى جيوب سكانية منفصلة وضعيفة.

وأشارت الحصري إلى أن استمرار هذه السياسات ينذر بمزيد من التصعيد ويقوض أي فرص حقيقية لإحياء عملية السلام، كما يهدد بتحويل الضفة الغربية إلى ساحة مفتوحة للعنف وعدم الاستقرار. وهو ما يستدعي تحركًا دوليًا أكثر فاعلية لوقف الانتهاكات الإسرائيلية وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة تتعارض مع قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.