كشف الباحث محمود سامح همام، المتخصص في الشؤون الأفريقية، أن جمهورية مالي، الواقعة غرب أفريقيا، تواجه الآن مرحلة جديدة من الاستنزاف الأمني، وسط تصاعد هجمات الجماعات المسلحة. حيث تشهد البلاد خلال يوليو 2026 واحدة من أكثر الفترات الأمنية تعقيدًا منذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة، في ظل تزايد الهجمات المنسقة التي تشنها الجماعات المسلحة على مواقع الجيش المالي، وتوسع نطاق العمليات من شمال البلاد إلى مناطق الوسط والجنوب.
وأضاف همام، في تصريحات لـ”فيتو”: إن هذه التطورات تعكس تحولًا مهمًا في طبيعة الصراع، إذ لم تعد الدولة تواجه تهديدًا منفصلًا من الجماعات الإرهابية أو الحركات الانفصالية، بل أصبحت أمام تنسيق ميداني متزايد بين فاعلين مسلحين يمتلكون أهدافًا مختلفة، لكنهم يتقاطعون في مواجهة السلطة المركزية في باماكو.
سلسلة هجمات لجبهة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد
وأكد الباحث أنه خلال الأسابيع الأخيرة، نفذت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد (FLA)، سلسلة هجمات استهدفت قوافل عسكرية ومواقع استراتيجية في إقليم جاو ومحيط مدينة أنيفيس؛ مما أسفر عن خسائر كبيرة في صفوف الجيش المالي. هذا التطور يؤكد ارتفاع مستوى التنسيق العملياتي بين الطرفين مقارنة بالسنوات الماضية. ورغم إعلان الجيش المالي تنفيذ ضربات مضادة واحتواء بعض الهجمات، فإن استمرار هذه العمليات يعكس قدرة الجماعات المسلحة على المناورة وفتح جبهات متعددة في توقيت واحد.
الاستراتيجية الأمنية التي انتهجها المجلس العسكري لم تحقق الهدف المنشود
واصل همام تصريحاته قائلاً: تكشف هذه التطورات أن الاستراتيجية الأمنية التي انتهجها المجلس العسكري والقائمة على تعزيز القدرات العسكرية والاعتماد على شركاء أمنيين جدد بعد انسحاب القوات الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة، لم تحقق حتى الآن الهدف الرئيسي المتمثل في استعادة السيطرة الكاملة على الأراضي المالية. فقد باتت الجماعات المسلحة تعتمد على حرب الاستنزاف واستهداف خطوط الإمداد والقواعد العسكرية بدلاً من الاحتفاظ الدائم بالأراضي، مما يزيد من تكلفة المواجهة ويطيل أمد الصراع. كما يمثل التحالف المرحلي بين الجماعات الانفصالية والتنظيمات الجهادية تحديًا غير مسبوق للدولة المالية لأنه يجمع بين الخبرة المحلية والقدرات القتالية والتنظيمية.
وأضاف الباحث محمود سامح همام: أما من الناحية الاقتصادية فتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه مالي تحديات إضافية تتعلق بقطاع التعدين الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني. فقد أعلنت الحكومة استمرار تراجع إنتاج الذهب مقارنة بمستويات الأعوام السابقة، وسط النزاعات مع بعض شركات التعدين والتحديات الأمنية التي تؤثر في بيئة الاستثمار. وهذا ما يحد من قدرة الدولة على توفير الموارد اللازمة لتمويل جهودها الأمنية والتنموية.
وعلى صعيد آخر، فإن تدهور الأوضاع في مالي لا يقتصر أثره على غرب أفريقيا بل يمتد إلى مجمل منطقة الساحل التي أصبحت إحدى أكثر بؤر الإرهاب نشاطًا في القارة. فاستمرار ضعف الدولة المالية يمنح التنظيمات المتطرفة مساحة أوسع للتحرك عبر الحدود ويزيد من مخاطر تهريب السلاح والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، وهي تحديات تنعكس بصورة مباشرة على الأمن الإقليمي والأفريقي.

