في سياق الأزمات الممتدة أو الصراعات العسكرية، لا يُعتبر عامل الوقت عنصرًا محايدًا، بل هو متغير حاسم يسهم بشكل فعال في إعادة تشكيل موازين القوى وتحديد هوية الرابح والخاسر.
لا يخرج التصعيد العسكري الحالي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عن هذه القاعدة، حيث يتحول عامل الوقت إلى سيف ذي حدين يضغط بقوة على صانعي القرار في كلا البلدين.
بينما تسعى العقيدة العسكرية الأمريكية إلى الحسم السريع وتجنب الاستنزاف طويل الأمد، تعتمد طهران على استراتيجية تقليدية قائمة على “الصبر الاستراتيجي” وإدارة حافة الهاوية لامتصاص الضغوط وتفكيك جبهة الخصوم.
لفهم كيفية تأثير الوقت على كلا الطرفين، يتعين علينا تحليل الضغوط الداخلية والخارجية التي يفرضها هذا العامل في مسرح المواجهات المشتعل.
بالنسبة للولايات المتحدة، يتجلى ضغط الوقت في ثلاثة محاور رئيسية. أولها هو “كلفة العمليات العسكرية”؛ حيث تعتمد واشنطن على حشد بحري وجوي كبير يتمثل في حاملتي طائرات لفرض حصار بحري وقصف الأصول والبنية العسكرية لإيران. إن هذا الاستهلاك الكثيف للذخائر الذكية وإبقاء آلاف الجنود (بما في ذلك إرسال 5000 جندي من المارينز مؤخرًا) يكلف الميزانية الأمريكية مليارات الدولارات، بينما تجاوزت الطلبات الإضافية للحروب حاجز الـ87 مليار دولار.
معنى ذلك أنه كلما طال أمد الحرب، تآكلت مخزونات السلاح الاستراتيجية، مما يضعف قدرة واشنطن على ردع الصين في تايوان أو مواجهة روسيا في أوروبا.
المحور الثاني يتعلق بـ”أمن حلفاء الإقليم”؛ حيث تسعى واشنطن لإنهاء المعركة سريعًا لتقليص الأضرار التي تلحق بشركائها وحلفائها في المنطقة. وقد أظهرت الأحداث الميدانية فجر وصباح يوم 18 يوليو الجاري (على سبيل المثال) قيام إيران بقصف منشآت حيوية وقواعد في الكويت والبحرين والأردن.
إن استمرار هذه الضربات مع مرور الوقت سيشكل ضغطًا سياسيًا داخليًا هائلًا على حكومات هذه الدول، وقد يدفعها إلى تقييد استخدام واشنطن لأراضيها وأجوائها خشية تعرض بنيتها التحتية النفطية والخدمية للدمار الشامل.
أما المحور الثالث فهو “الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد”؛ حيث تحاول إدارة ترامب بكل الطرق فتح مضيق هرمز، إلا أن شلل حركة الملاحة فيه أدى إلى عبور 8 سفن فقط يوميًا مما يرفع تكاليف التأمين البحري العالمي بشكل جنوني. هنا يمثل الوقت ضاغطًا اقتصاديًا؛ إذ أن استمرار الحصار البحري لأسابيع إضافية قد يؤدي إلى قفزة غير منضبطة في أسعار الطاقة العالمية مما قد يوقظ التضخم الدولي ويثير غضب الناخب الأمريكي داخليًا.
في المقابل، يضغط عنصر الوقت بشدة على مركز القرار الإيراني عبر ثلاثة مستويات. أولها “تآكل البنية العسكرية ومفاصل القوة”؛ حيث تخلت الولايات المتحدة هذا الأسبوع عن حصر ضرباتها في خطوط السواحل ومضيق هرمز وانتقلت إلى الموجة السابعة من الضربات داخل العمق الإيراني مستهدفة الجسور والسكك الحديدية المؤدية إلى بندر عباس ومستودعات الأسلحة المحصنة تحت الأرض لقطع الإمدادات. إن مرور الوقت وسط هذا القصف المركب يمنع الحرس الثوري من ترميم دفاعاته الجوية أو إعادة بناء منظومات القيادة والسيطرة والاتصال التي تعرضت لإعماء راداري ملحوظ.
المستوى الثاني يتعلق بـ”الضغط على هيكل اقتصادي مأزوم”؛ إذ تراهن طهران على “الصبر الاستراتيجي” ولكن الحصار البحري المفروض منذ أبريل 2026 أوقف تماماً قدرتها على تصدير النفط أو تسييل أصولها. الوقت هنا يعمل ضد إيران اقتصاديًا بشكل متسارع؛ فانقطاع الخدمات الأساسية مثل المياه عن قرى الجنوب جراء الغارات الأخيرة وانهيار العملة يحرم النظام من القدرة على تمويل الحرب داخليًا أو دعم وكلائه بالخارج بشكل مستدام.
أما المستوى الثالث فهو “شرعية النظام والاستقرار الداخلي”؛ حيث جاءت هذه الحرب وسط جبهة داخلية مهتزة تعاني من تبعات احتجاجات شعبية واسعة. انتقال السلطة إلى مجتبى خامنئي تحت ضغط القصف اليومي يضع النظام في سباق مع الزمن؛ فإذا لم يستطع تحقيق توازن ردع سريع فإن التذمر الداخلي من الفقر وتدهور الخدمات قد يتحول إلى انفجار اجتماعي يهدد أركان الدولة من الداخل.
إن انهيار “مذكرة تفاهم إسلام آباد المؤقتة” مطلع هذا الشهر وانزلاق الطرفين إلى مواجهة عسكرية مباشرة مرة أخرى يشير إلى أن الوقت لم يعد يُدار خلف طاولات المفاوضات المغلقة، بل أصبح يُقاس بكثافة الغارات الجوية الأمريكية التي دخلت ليلتها الثامنة المتواصلة، وفي المقابل بمدى قدرة طهران على توسيع رقعة القصف الصاروخي والطائرات المسيرة لتشمل العمق الإقليمي.
باختصار، لم يعد الصراع يتعلق بمن يمتلك قوة ونفوذ أكبر بل بمن يستطيع الصمود واستيعاب الضربات لفترة أطول دون أن تتفكك جبهته الداخلية أو تفرغ مستودعات أسلحته الاستراتيجية.
إن إدارة الوقت في هذه المرحلة الحرجة باتت مسألة صمود وجودي للنظام الإيراني تحت قيادة مجتبى خامنئي وحجر زاوية لاستراتيجية “الضغط الأقصى العسكري” التي تتبناها إدارة ترامب لفرض شروطها.

