تقدم الهجرة النبوية الطاهرة دروسًا قيمة يمكن تطبيقها في حياتنا اليومية، مثل أهمية التخطيط الجيد، والأخذ بالأسباب، والتوكل على الله، وحسن استثمار الطاقات البشرية، والتضحية في سبيل الله نصرة لدينه. وتعد الهجرة النبوية مثالاً حيًا على ذلك.
كان بإمكان الوحي أن ينقل رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة في لحظة واحدة، ولكن الله أراد أن يعلمنا دروسًا مهمة نتخذ فيها النبي ﷺ قدوة. لو تم الانتقال بالوحي مباشرة، لكان ذلك سببًا للكسل وترك العمل وعدم الأخذ بالأسباب. لكن الحدث جاء ليعلمنا كيفية التخطيط الجيد من قبل النبي ﷺ مع الحفاظ على السرية التامة والإعداد الجيد للموارد البشرية والمادية.
فقد بدأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه التحضير قبل أربعة أشهر من يوم الهجرة، بينما أعد الرسول ﷺ الموارد البشرية اللازمة لتسهيل رحلته إلى المدينة المنورة، من تجهيز الدليل والراعي والتزود بالمؤن وجمع الأخبار. كما وضع ﷺ خطة للخروج وكيفية التمويه على كفار قريش ليظنوا أنه موجود بينهم حتى لا يتبعوه. وقد غير النبي ﷺ الطريق ووصل إلى غار ثور حيث تدخلت العناية الإلهية بعد أن بذل رسول الله ﷺ كل ما في وسعه. فقد علم سراقة بن مالك أنه لا يمكن الوصول إلى الرسول ﷺ بسوء عندما كانت أقدام فرسه تغوص في الرمال كلما اقترب منه وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
المعية الإلهية
يجب أن يدرك المسلمون اليوم أن المعية الإلهية لا تقتصر على النبي ﷺ وحده، بل تنال المؤمن بقدر إيمانه وأخذه بالأسباب. يكفي أن يبذل المسلم الأسباب والتخطيط والطاقة بما يتناسب مع وسعه، ويعلم يقينًا أنه بعد الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، فإن الله لن يضيعه بل سيكون معه بعونه وتأييده. يقول الله تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ۖ فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلىٰ ۗ وكلمة الله هي العليا ۗ والله عزيز حكيم﴾. فقد تجلت معية الله مع رسوله ﷺ وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالسكينة والتأييد.
ترتبط الهجرة النبوية الطاهرة بالوطن والدين والإيمان والعقيدة؛ فعاد النبي ﷺ إلى مكة بعد ثماني سنوات من الهجرة فاتحًا لكنه لم يستقر فيها وعاد مع الأنصار إلى المدينة المنورة ليكمل حياته هناك حتى توفاه الله تعالى ودفن بها. وهذا هو الوفاء الذي أظهره نبينا ﷺ حين قال لأهل المدينة: «بل المحيا محياكم والممات مماتكم»؛ أي أنه سيعيش معهم ويموت ويدفن في بلدهم تكريمًا لهم على ما فعلوه معه.
بقلم الدكتور مصطفى محمد عوض
الأستاذ المساعد بقسم التاريخ والحضارة وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية.

