من أكثر الأمور إيلامًا في الحياة أن ترى إنسانًا نشأ في بيئة بسيطة، وتلقى المساعدة والتوجيه من العديدين، وحملوه على أكتافهم حتى تجاوز صعوباته، ثم حينما تفتح له الدنيا أبوابها ويتسلق المناصب والمكانة، يصاب بداء النسيان، وينكر الجميل، ويخدع نفسه والآخرين بأن ما حققه كان نتيجة لعبقرية فذة وقدرات استثنائية لا مثيل لها.
هذه الظاهرة ليست جديدة، فقد سجلها القرآن الكريم في قصة قارون الذي قال متباهيًا: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، فكانت تلك الكلمة تجسيدًا للغرور ونكران الفضل. لقد نسب النجاح لنفسه وتناسى أن النعم مواهب من الله، وأن وراء كل نجاح أسبابًا ووجوهًا وأيادي امتدت بالمساندة والتأييد.
وفي كل عصر نشهد نماذج جديدة لقارون في مختلف المجالات؛ أشخاص صعدوا ليس لأنهم الأقدر أو الأجدر، بل لأنهم أتقنوا فن العلاقات العامة أكثر من إتقانهم للعمل الحقيقي، واستطاعوا التملق بشكل أفضل من التفكير العميق، وامتلكوا المال والنفوذ أكثر مما امتلكوا العلم والخبرة. صعدوا بالمجاملات لا بالكفاءات، وبالأبواب الخلفية لا بالاستحقاق، وبالولاءات الشخصية لا بالجدارة المهنية.
والأكثر مرارة أن بعض هؤلاء يتصدرون الشاشات والمنابر ويتحدثون بلسان الحكماء وأرباب الفكر، ويقدمون أنفسهم كنماذج للنجاح الملهم، بينما الحقيقة أن قصصهم لا تحكي انتصار الموهبة بقدر ما تحكي انتصار النفاق الرخيص وموالاة أهل السلطة.
إنهم ممن يأكلون على كل الموائد ويبدلون مواقفهم بتبدل أصحاب النفوذ، فإذا تغيرت الرياح غيروا اتجاه أشرعتهم، فلا مبدأ يحكمهم ولا قيمة تقيدهم.
وكم من الذين بنوا مجدهم على جهد الآخرين واستعاروا أفكار غيرهم ثم نسبوا الإنجاز لأنفسهم بل ربما طمسوا أسماء الذين صنعوا بداياتهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». فالاعتراف بالجميل ليس تفضلًا بل هو خلق أصيل ومن جحد فضل الناس كان أجدر أن يجحد نعم الله عليه.
لذلك كان السلف يقولون: “من أنكر الفضل فقد استحق الزوال” ويقولون أيضًا: “من لم يعرف لأهل الفضل فضلهم فقد أشبه اللئيم”. وقديمًا قيل: إذا تم أمر بدا نقصه ترقب زوالًا إذا قيل تم. فما ثبت الباطل يومًا ولا استقرت مكانة قامت على الزيف والتدليس.
وفي عالم الصحافة والإعلام خصوصًا لكل عصر «محفوظ عجب» جديد؛ أشخاص يتقنون صناعة الضجيج أكثر من صناعة الفكر ويجيدون الظهور أكثر من إجادة المعرفة ويعتلون المنصات لأنهم أحسنوا التصفيق لأصحاب السلطان لا لأنهم قدموا إبداعًا حقيقيًا أو إضافة فكرية جادة.
وما أكثر مسيلمة الكذاب في كل زمان؛ يدعي ما ليس له وينسب إلى نفسه ما لم يصنعه ويصدق مع الزمن الرواية التي اختلقها عن ذاته حتى يظن أنه من أرباب العلم والفكر.
لكن الأيام دول والتاريخ أكثر إنصافًا من البشر. فالوجوه المصنوعة بالدعاية يبهت بريقها والأسماء التي صنعتها المصالح سرعان ما يطويها النسيان ويبقى أصحاب الجهد الحقيقي وإن تأخر الاعتراف بهم. وقد صدق الله تعالى حين قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «من تواضع لله رفعه الله».
إن من ينسى بداياته ويجحد فضل من صنعوا له الطريق ويستطيل على الناس بمنصب أو شهرة أو مال عليه أن يتذكر أن الأقدار لا تستقر على حال وأن من سقَى الناس مرارة الجحود سيُسقى من الكأس نفسها وأن من ارتفع بغير استحقاق لا يملك ضمان البقاء. وقد أحسن القدماء حين قالوا:
ما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع.
فالتاريخ لا يخلد المنافقين ولا يحفظ أسماء المتسلقين وإنما يخلد أصحاب الفضل الحقيقيين الذين صنعوا نجاحهم بالجهد والعرق والاستحقاق واعترفوا في الوقت نفسه بأيدي المعروف التي امتدت إليهم لأن الكبار حقًا لا ينسون بداياتهم ولا يجحدون من كانوا سببًا في وصولهم.

