تحولت خلافات الميراث في عدد من الوقائع إلى جرائم مأساوية، بعدما سيطر الطمع على بعض أفراد الأسر. فلم يتوقف الأمر عند النزاع على الأموال والأراضي، بل وصل إلى الاحتجاز والابتزاز والقتل والانتقام، وسقط ضحايا من أقرب الأشخاص في تحد صارخ للدين والقانون.
في المنصورة، أقدم مسن على سكب البنزين على زوج شقيقته وإشعال النيران فيه بسبب خلافات على الميراث. ورغم نقله إلى المستشفى، إلا أنه توفي متأثرا بحروق من الدرجة الثالثة. وكشفت التحريات أن خلافات الميراث كانت وراء الجريمة. وفي كفر الشيخ، قتل شخص نجلي شقيقه بالرصاص خلال خلاف على قطعة أرض ميراث تحولت إلى مزارع سمكية. أفادت التحقيقات بأن الشقيقين حضرا برفقة والدهما لمحاولة إنهاء النزاع، إلا أن العم أحضر بندقية وأطلق النار عليهما أمام والدهما، ثم اعتدى على شقيقه بالفأس، مما أدى إلى إصابته ونقله للعناية المركزة. وفي البحيرة، نشبت مشاجرة بين مزارع ونجل شقيقه بسبب الخلاف على قطعة أرض ميراث، فأخرج المتهم سكينا وسدد لعمه عدة طعنات ليفارق الحياة في الحال. وفي قنا، دفع طفل حياته ثمنا لخلافات الميراث بين الكبار بعدما استدرجه نجل عم والده إلى المقابر وخنقه حتى الموت ثم ألقى جثمانه داخل أحد المدافن. وكشفت التحريات أن المتهم ارتكب الجريمة انتقاما من عمه بسبب خلافات على الميراث بينه وبين والده. وفي المنصورة أيضا، ارتكب شاب جريمة مروعة بحق والده بعد مشاجرة بسبب الميراث، إذ اعتدى بقطعة حجرية على رأسه حتى فارق الحياة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ بل أحضر سكينًا وفصل رأس والده عن جسده ووضعهما في شيكارتين وألقى الرأس والجسد في مصرفين مائيين باستخدام التوك توك قبل أن تكشف الأجهزة الأمنية تفاصيل الجريمة. فضلا عن الاستخدام المتكرر للحجز في مصحات نفسية واستصدار تقارير طبية ملفقة تثبت حالة الجنون في سبيل الاستيلاء على الميراث. هنا تطرح “فيتو” هذه الظاهرة التي تتفاقم وتتخذ أشكالا متعددة للحوار المجتمعي بهدف وضع حد لها واحتوائها.
قانون المواريث موجود وارتفاع رسوم التقاضي أبرز العقبات.
أكد النائب عاطف المغاوري رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع أن قواعد المواريث ثابتة عقائديا ودينيا ومنظمة بشكل كامل وتُدرس لطلاب الحقوق في كليات الشريعة، حيث أوضح النص القرآني والتشريع الإلهي توزيع التركات بدقة دون لبس. وأشار إلى وجود قانون يعاقب بالسجن لمن يحجب الميراث عن مستحقيه أو يمنعه عنهم، وأن من لا يرتدع بالقرآن يرتدع بالسلطان المتمثل في القانون وقوة الدولة.
وأوضح النائب البرلماني أن الدولة لا تحتاج لسن تشريعات وقوانين تنظم المواريث، ولكن هناك العديد من العقبات التي تصعب على المصريين طريق التقاضي وتسمح لأصحاب النفوذ الضعيفة بارتكاب مثل هذه الجرائم، من بينها ارتفاع رسوم التقاضي وتكاليف المحاماة. مشيرا إلى أن الرسوم القضائية المرتفعة تمثل عقبة حائلة أمام أصحاب الحقوق وخاصة غير القادرين منهم ماليا مما دفع المحامين في مواسم قضائية سابقة لتنفيذ إضرابات بسبب تزايد تلك الأعباء التي ترهق كاهل الموكلين. كما أشار إلى طول أمد القضاء المدني ومراحل التقاضي حيث تستغرق قضايا الحقوق المدنية المتعلقة بالميراث فترات طويلة قد تصل إلى 15 أو 20 سنة مما يشكل عدالة متأخرة أو بطيئة تعد شكلا من أشكال الظلم وتفقد الشخص الأمل في الحصول على حقه. بالإضافة إلى الأعباء النفسية والمادية الكبيرة التي يتحملها طوال تلك المدة بجانب صعوبات التنفيذ وثغرات الأحكام حيث أكد “مغاوري” أن مرحلة تنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بالميراث تواجه تحديات وصعوبات واقعية تتطلب وجود أمر واضح وحاسم لتمكين صاحب الحق من تنفيذ الحكم وسد الثغرات التي يسعى بعض المحامين لاستغلالها للالتفاف حول الأحكام القضائية وإطالة أمد النزاع.
وعلى الجانب القانوني أوضح عبدالعزيز سالم المحامي المتخصص في قضايا الأسرة أن القانون رقم 77 لسنة 1943 المعدل بالقانون رقم 219 لسنة 2017 نظم أحكام الميراث وحدد موانعه بشكل قاطع لا يقبل التوسع مشيرا إلى أن المادتين الخامسة والسادسة حصرتا موانع الإرث في أمرين هما القتل واختلاف الدين موضحا أن القتل يعد مانعا من موانع الميراث بمعنى أن القاتل لا يرث المقتول فإذا قتل الابن والده فإنه لا يستحق أن يرثه.
وأضاف أن اختلاف الدين يعني أن يكون المورث “الميت” على دين والوارث على دين آخر وفي هذه الحالة يمنع اختلاف الدين بين الشخصين من التوارث فلا يرث أحدهما الآخر بسبب اختلاف الدين موضحا أن الرق كان من الموانع التي تناولتها الأحكام قديمًا إلا أنه لم يعد قائمًا في الوقت الحالي ويُعاقب عليه قانونا.
الجنون لا يمنع الميراث.
وأكد سالم أن الجنون ليس من موانع الميراث في الفقه الإسلامي فالمجنون يرث كغيره متى توافرت فيه شروط الاستحقاق ولا يجوز بحال حرمانه من حقه لمجرد إصابته بمرض أو عاهة عقلية مضيفا أن من يتصور إمكانية إرسال شقيقه أو شقيقته إلى مصحة نفسية أو الادعاء بجنونه بهدف حرمانه من الميراث هو شخص “واهم” لأن موانع الإرث محددة حصرا وثبوت المرض العقلي لا يسقط الحق في الإرث.
وأوضح أن المشرع نظم إدارة أموال فاقدي الإدراك عبر تدخل محكمة الأسرة لتعيين ولي أو قيم يتولى إدارة أموالهم والحفاظ عليها لافتا إلى أن إثبات الحالة العقلية يخضع لإجراءات قانونية وطبية صارمة وليس لمجرد الادعاء الأسري.
مشكلات تواجه الميراث في مصر.
وعن أبرز المشكلات التي تواجه تقسيم الميراث في مصر أشار “سالم” إلى أن النزاعات المتعلقة بالمواريث تُعد من القضايا المعقدة والتي تستنزف وقتا طويلا داخل المحاكم خاصة مع تعدد الورثة وتشعب الخلافات حول التركة موضحا أن بعض قضايا الميراث قد تستغرق من 5 إلى 10 سنوات أمام محاكم الدرجة الأولى والاستئناف والنقض بحسب طبيعة النزاع والإجراءات الفنية والتقارير التي قد تحتاجها القضية وهو ما يصيب المدعي بالخزي والإحباط للحصول علي حقه.
صعوبات التنفيذ والعوائق الواقعية.
ولفت “سالم” إلى عائق التنفيذ الذي يمثل أحد أبرز المعوقات التي تواجه قضايا الميراث فى مصر إذ قد يواجه الورثة المستحقون خاصة القصر أو الأشخاص الذين يتولى آخرون إدارة أموالهم عقبات واقعية وإجراءات إدارية بعد صدور الأحكام النهائية لتنفيذ تلك الأحكام.
وأضاف أنه تسليم الأنصبة وحيازة الحقوق قد لا يكون أمرا سهلا مما يؤدي لإطالة أمد المعاناة رغم حصول الوريث على حقه بحكم قضائي.
وأوضح “سالم” أنه تنقضي الدعوى الجنائية بمضي 3 سنوات طبقا لنص المادة 15 من قانون الإجراءات الجنائية بينما لو كان الحكم حضوريا فتسقط العقوبة بمضي 5 سنوات طبقًا لنص المادة 528 من القانون الإجراءات الجنائية أما المطالبة بالميراث فإذا مر أكثر من 33 عاما علي وفاة الموروث يسقط الحق في المطالبة بالميراث طبقا للقانون المدني مختتما التأكيد على ضرورة التسريع من وتيرة التقاضي في قضايا القانون المدني وبالأخص قضايا الميراث لمنع وقوع الكثير من الجرائم المرتكبة بسببها ومعالجة ازمات تنفيذ الأحكام فيها.
تفاقم الظاهرة.
كشفت الدكتورة فادية أبو شهبة أستاذ القانون الجنائي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عن نتائج بحث أجري حول الجرائم المرتبطة بحرمان بعض الورثة حقوقهم الشرعية مؤكدة أن الطمع يأتي في مقدمة أسباب هذه الجرائم بالإضافة للابتعاد عن القيم الدينية والأخلاقية والتنشئة الاجتماعية الخاطئة.
وقالت فادية أبو شهبة إن جريمة امتناع أحد الورثة عن تسليم باقي الورثة حقوقهم الشرعية أصبحت واقعة متكررة داخل الأسرة المصرية موضحة أنها تتخذ عدة صور منها حجب مستند يثبت حق أحد الورثة أو الامتناع عن تسليمه مستند مهما فضلا عن تعمد عدم إدخال أحد الورثة ضمن إجراءات إعلام الوراثة مضيفةً أنها تظهر بصورة واضحة بين الإخوة والأخوات بالأخص فى الصعيد والأرياف حيث يستولي أحدهم على أموال أو عقارات بحجة أنه كان الأكثر خدمة لوالده بينما يرى إخوته الذين يعيشون في المدن لا يستحقون نصيبا منها.
وأكدت هذا التصور مخالف لأحكام الميراث لأن تقسيم التركة حق شرعي لا يجوز لأحد تغييره أو الاستيلاء عليه مشيرةً لبعض الوقائع التي وصلت لارتكاب جرائم بهدف إجبار أحد الورثة للتنازل عن حقه كما حدث عندما استعان أحد الإخوة بصديق للاعتداء على شقيقته وإجبارها للتوقيع على تنازل عن نصيبها مما تحول الأمر لجريمة اعتداء جنسي واستخدام وسائل الإكراه لإجبار المجني عليها للتنازل عن حقها.
ولفتت أيضا استخدام الابتزاز الإلكتروني داخل الأسرة للضغط على أحد الورثة عبر التهديد بنشر صور أو تسجيلات شخصية مقابل التنازل عن نصيبه بالميراث أو التوقيع بمستندات تنتقص حقوقه.
وأكدت فادية أبو شهبة نتائج البحث كشفت جرائم حرمان الورثة لا ترتبط بمستوى اجتماعي أو اقتصادي معين وإنما تمتد لأسر مختلفة ومناطق مختلفة مرجعة انتشار هذه الجرائم لطمع بعض النفوس وابتعادهم عن الدين والقيم الأخلاقية وتراجع دور التنشئة الأسرية بتعليم الأبناء احترام حقوق الآخرين حتى داخل الأسرة الواحدة.
<p وشددت مواجهة هذه الجرائم تحتاج لتكاتف الأسرة والمدرسة والجامعة ودور العبادة ووسائل الإعلام ومؤسسات الدولة عبر نشر الوعي بحقوق الورثة والتأكيد بأن صلة الرحم لا تبرر الاعتداء عليها وأن الحق الشرعي والقانوني للموريث يجب الحفاظ عليه وعدم الاستيلاء عليه.

