ما كان متاحًا بالأمس صار اليوم حلمًا بعيد المنال. وقد دار بيني وبين الزميل الكاتب الصحفي عبدالقادر شهيب حوار حول المصايف التي باتت شيئًا بعيد المنال على الطبقة الوسطى، التي تدهورت أحوالها بصورة غير مسبوقة حتى لم تعد تستطيع تدبير نفقات مصيف بسيط.

وهذا يطرح سؤالًا: هل فكرت الدولة يومًا في السؤال الذي يطرق أبواب ملايين المصريين بصمت: كيف يعيش هؤلاء؟ وإلى أين يذهبون بأحلامهم؟

أتفق مع النائب الدكتور رضا عبد السلام في أننا يجب أن نظل متمسكين بالأمل، لكنني أظن أن القضية أكبر من مجرد التمسك بالأمل. فالمواطن الذي يعاني من الغلاء، وتآكل دخله، وارتفاع تكاليف السكن والتعليم والعلاج والمواصلات، لا يحتاج إلى من يقول له: «تمسك بالأمل» فقط، وإنما يحتاج إلى أن يرى أسبابًا حقيقية تجعله قادرًا على الأمل.

فالأمل لا يُفرض بقرار، ولا يُصنع بخطاب، ولا يعيش طويلًا إذا اصطدم كل صباح بواقع يقول شيئًا آخر. المشكلة أننا أمام مسافتين تكاد تكونان مستحيلتين: مصر يعيش فيها ملايين يحسبون ثمن كيلو اللحم، وفاتورة الكهرباء، ومصاريف المدرسة، وتكلفة المواصلات؛ ومصر أخرى نسمع فيها عن فيلا أو شاليه بمئات الملايين.

لا مشكلة عندي في أن يملك إنسان ثروة كبيرة إذا كانت مشروعة، ولا في أن يعيش كما يشاء. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الترف الفاحش مشهدًا عامًا يتكرر أمام أعين مواطن يعجز عن تدبير احتياجاته الأساسية.

وهنا أتكلم من تجربتي الشخصية ومن تجربة أغلب أبناء الطبقة الوسطى التي أعرفها. كان المصيف بالنسبة لنا شيئًا عاديًا. لم نكن نحتاج إلى ملايين ولا إلى منتجعات فاخرة. بضعة أيام على البحر، شقة متواضعة، أطفال يلعبون، وأسرة تجتمع بعيدًا عن ضغوط الحياة. كان المصيف حقًا بسيطًا من حقوق الطبقة الوسطى وليس امتيازًا للأثرياء.

أما اليوم، فقد أصبح السؤال مختلفًا: هل نستطيع أن نصيف أصلًا؟ وهذه ليست شكوى شخصية؛ إنها حالة اجتماعية أوسع. الطبقة الوسطى التي كانت تتحمل الجزء الأكبر من أعباء المجتمع أصبحت تحسب كل جنيه قبل أن تنفقه. ومن كان يستطيع أن يصطحب أسرته إلى البحر أصبح يفكر في تكلفة الطريق والإقامة والطعام قبل أن يقرر أن يبقى في بيته.

ثم يفتح هاتفه فيجد أمامه صور وفيديوهات عن الساحل والعلمين وأسعار وحدات وفيلات تصل إلى أرقام فلكية، بل وعن شراء فيلا بمئات الملايين.

مرة أخرى: ليست القضية أن هناك من يستطيع دفع 350 مليون جنيه في فيلا؛ القضية ماذا يقول هذا الرقم لمواطن لا يستطيع دفع تكلفة أسبوع واحد من المصيف؟

وهنا أطرح سؤالاً قد يبدو بسيطاً لكنه مهم: لماذا لا يأخذ المسؤولون إجازاتهم مثل نظرائهم في دول العالم؟ لماذا نحتاج إلى كل هذا الحضور الرسمي والإعلامي في العلمين؟ ولماذا لا تكون إجازة المسؤول شأنًا خاصًا بعيداً عن الاستعراض وإنتاج إحساس مؤلم بالمقارنة بين من يملك ومن لا يملك؟

العلمين مشروع مهم والساحل جزء من الاقتصاد والسياحة والاستثمار ولا أحد يعترض على ذلك. لكن الدولة ليست مطالبة فقط ببناء الأماكن الفاخرة؛ الدولة مطالبة أيضًا بأن تجعل الحياة الكريمة ممكنة لأكبر عدد من مواطنيها.

فالاستثمار الحقيقي ليس في أن تصبح لدينا مناطق لا يستطيع المواطن العادي دخولها وإنما في أن يصبح لدى المواطن دخل يمكنه من العيش والاستمتاع والاستهلاك والسفر والصيف.

سقوط الطبقة الوسطى ليس مجرد مشكلة اقتصادية؛ إنه خلل اجتماعي وسياسي خطير. هذه الطبقة هي التي تدفع الضرائب وتربي الأبناء وتعليمهم وتحمل أعباء الأسرة وتعمل في المؤسسات وتحافظ على تماسك المجتمع.

إذا انكمشت هذه الطبقة أصبح المجتمع أكثر استقطاباً: قلة تملك كثيراً وأغلبية تكافح من أجل الأساسيات. وهنا يصبح الحديث عن جماعات المصالح والضغط والثراء الفاحش أكثر إلحاحا. الدولة لا ينبغي أن تعادي الأغنياء لكنها مطالبة بأن تعرف: من أين جاءت الثروة؟ وهل حصل أصحابها عليها بشكل قانوني وعادل أم أن النفوذ والعلاقات والمصالح المتشابكة كان لها دور؟

وهذه ليست دعوة لمصادرة أموال أحد بل دعوة لدولة قوية تضع قواعد واضحة وتطبقها على الجميع. فإذا كان هناك من استطاع تحقيق ثروة هائلة خلال سنوات قليلة فمن حق المجتمع أن يسأل: كيف ومن أين؟ وهل كان الطريق مفتوحاً للجميع أم أنه كانت هناك أبواب مغلقة للبعض؟ والسؤال الأخطر: لماذا يشعر المواطن أحياناً أن الكفاءة أقل قيمة من العلاقات؟

هل مصر فقيرة بالكفاءات؟ قطعاً لا. لدينا علماء وأطباء ومهندسون وخبراء وشباب قادرون على صناعة المستحيل. ولدينا ملايين المصريين الذين ينجحون عندما يجدون الفرصة داخل مصر وخارجها. إذن المشكلة ليست ندرة الكفاءات بل قدرتنا على اكتشافها وتمكينها ووضعها في المكان المناسب.

وعندما يرى المواطن مسؤولاً ناجحاً يشعر بالاطمئنان وعندما يرى مسؤولاً يفشل ويستمر يبدأ بفقدان الثقة وعندما يسمع عن تجاوزات ولا يرى محاسبة يشعر بأن القواعد لا تطبق على الجميع. وهنا لا يكفي القول له «اصبر» لأن الصبر بلا آفاق يتحول لإحباط والإحباط إذا طال يتحول لغضب.

ومن هنا أتفق مع رسالة الدكتور رضا عبد السلام حول ضرورة استعادة الحلم ولكنني أرى أنه يحتاج إلى ثورة في طريقة إدارة الدولة لعلاقتها بالمواطن.

نحتاج إلى عدالة أكبر في توزيع الفرص وشفافية أكبر ورقابة حقيقية على المال العام ومحاسبة واضحة للمقصرين وحماية حقيقية للطبقة الوسطى وفتح الأبواب أمام الكفاءات وخطاب حكومي يشعر المواطن بأنه شريك وليس مجرد رقم ضمن بيانات الأسعار والنمو.

والأهم: يجب على الدولة التوقف عن مطالبة الناس بتحمل ما لا تستطيع هي شرحه لهم. فالناس يمكنهم تحمل الصعب إذا اقتنعوا بأنه ضروري ومؤقت وعادل ولكنهم لن يتحملوا ذلك للأبد وهم يرون مظاهر الثراء والاستثناءات والامتيازات دون تفسير مقنع.

لا نريد للناس أن يأكلوا الأخضر واليابس ولا فوضى أو انهيار لأن الفوضى لا تميز بين غني وفقير بل نريد دولة قوية تمنع أسباب الانفجار قبل تراكمها وتعرف أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالخوف وإنما بإزالة أسباب الفوضى.

نريد للمصريين العودة لحلمهم؛ حلم الشاب بعمل كريم وليس بوظيفة مؤقتة وحلم الطالب بأن تفوقه سيصنع مستقبله وحلم الأسرة بمسكن مناسب وأن تستطيع الطبقة الوسطى الذهاب للمصيف دون اعتبار ذلك جريمة مالية.

أن يشعر المواطن بأن بلده لا تطلب منه فقط التحمل بل تتحمل معه؛ نحن بحاجة لمنح الناس أسبابا حقيقية للأمل فالمصري لم يفقد قدرته على الحلم ولكنه بدأ يسأل سؤالا موجعا: هل ما زال الحلم ممكنًا؟

وهنا تأتي مسؤولية الدولة ليس لتقول له «احلم» بل لتفعل ما يجعله يصدق بأن حلمه يمكن تحقيقه لأن أخطر ما يمكن حدوثه لوطن هو حين يجلس ملايين المواطنين ذات مساء وينظرون للمستقبل ثم يقولون بصمت: لم يعد لنا شيء نحلم به.