عقد المركز المصري للدراسات الاقتصادية الويبينار الشهري (أون لاين) لعرض ومناقشة نتائج تقرير “نظرة على الأسواق المالية” لشهر يونيو الماضي، وهو تقرير يصدره المركز شهريًا لمناقشة المتغيرات في أسواق المال العالمية وتأثيراتها على الاقتصادات الناشئة والاقتصاد المصري.
التطورات الجيوسياسية
استعرض عمر الشنيطي، الاستشاري بالمركز، أهم نتائج التقرير الذي يناقش التطورات التي شهدها شهر يونيو، والذي اتسم بحالة من الترقب الشديد نتيجة الأحداث الجيوسياسية.
وأشار إلى أن التقرير يغطي التطورات حتى نهاية يونيو، بينما شهدت الأيام التالية مستجدات جديدة أعادت حالة عدم اليقين إلى الأسواق العالمية، مما يتطلب قراءة متجددة للمشهد خلال الفترة المقبلة.
أسواق السلع والطاقة
وأوضح التقرير أن أسواق السلع والطاقة شهدت تباينًا ملحوظًا خلال يونيو، إذ تراجعت أسعار النفط والغاز الطبيعي بنهاية الشهر بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
في حين تحركت أسعار الذهب بصورة مغايرة لتوقعات العديد من المستثمرين، حيث فقدت جزءًا من مكاسبها مع انحسار المخاوف مؤقتًا، بينما ظلت تحركات باقي السلع ضمن النطاقات الطبيعية دون تغييرات حادة.
معدلات التضخم العالمية
لفت الشنيطي إلى أن هذه التطورات انعكست بصورة مباشرة على معدلات التضخم العالمية، حيث ارتفع التضخم في عدد من الاقتصادات المتقدمة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وأوروبا وكندا، مدفوعًا بالارتفاع في أسعار الطاقة، خاصة في الدول التي تعتمد على آليات التسعير الحر للوقود، مما أدى إلى انتقال الزيادة سريعًا إلى أسعار المستهلكين.
نتيجة لذلك انتهجت البنوك المركزية العالمية نهجًا حذرًا في التعامل مع هذه التطورات الأخيرة، حيث فضلت غالبية البنوك إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير انتظارًا لاتضاح اتجاهات التضخم خلال الأشهر المقبلة. بينما اتجه البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة، أشار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى استعداده لاستخدام أدوات السياسة النقدية المختلفة إذا استمرت الضغوط التضخمية دون اتخاذ قرار فوري برفع الفائدة.
وأضاف الشنيطي أن هذا التباين في السياسات النقدية انعكس على أسواق العملات، حيث فقد الدولار الأمريكي جزءًا من قوته أمام عدد من العملات الرئيسية مع اتجاه بعض التدفقات الاستثمارية نحو أوروبا بعد رفع الفائدة. كما شهدت البورصات الأمريكية والأوروبية والكندية أداءً إيجابيًا خلال يونيو مدفوعًا بتراجع المخاوف من اتساع رقعة الصراع وعودة التوقعات بانخفاض أسعار الطاقة واستقرار معدلات التضخم.
وفيما يتعلق بتكلفة الاقتراض العالمية، أوضح التقرير أن العائد على السندات الحكومية طويلة الأجل لم يشهد تغيرات حادة خلال يونيو نتيجة تثبيت معظم البنوك المركزية لأسعار الفائدة. إلا أن تكلفة التأمين على الديون السيادية (CDS) ارتفعت بصورة محدودة في عدد من الدول بسبب استمرار حالة الحذر لدى المستثمرين وعدم اليقين بشأن استدامة التهدئة الجيوسياسية.
أما بالنسبة للأسواق الناشئة، أوضح الشنيطي أنها شهدت ارتفاعًا في معدلات التضخم نتيجة زيادة أسعار الطاقة والغذاء. حيث سجلت دول مثل الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل وكوريا الجنوبية والمغرب ارتفاعات ملحوظة في مستويات التضخم. بينما فضلت غالبية البنوك المركزية في هذه الدول أيضًا الترقب والانتظار والإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير باستثناء حالات محدودة مثل جنوب أفريقيا التي لجأت إلى رفع الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية المرتفعة.
وسجلت العملات في الأسواق الناشئة أداءً متباينًا أمام الدولار الأمريكي وسط استمرار حالة عدم اليقين. بينما تعرضت معظم البورصات الناشئة لضغوط نتيجة المخاوف المتعلقة بالتوترات الجيوسياسية واحتمالات استمرار ارتفاع أسعار الفائدة عالميًّا. وهو ما انعكس أيضًا على ارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي لعدد من الاقتصادات الناشئة وزيادة تكلفة التأمين على الديون في بعض الدول.
وعلى مستوى الاقتصاد المصري، أوضح الشنيطي أن تكلفة الاقتراض على أدوات الدين طويلة الأجل ارتفعت خلال يونيو مدفوعة بزيادة الاقتراض وتوقعات باستمرار أسعار الفائدة العالمية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول. مما يفرض ضغوطا على تكلفة جذب الاستثمارات في أدوات الدين.
وفي المقابل شهدت تكلفة التأمين على الديون المصرية خلال فترة التهدئة التي شهدها يونيو حالة من التحسن. كما ساهمت عودة تدفقات الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة “الأموال الساخنة” إلى السوق المحلية في تحسين صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي واستقرار سوق الصرف مع استمرار مرونة سعر الجنيه في التفاعل مع حركة تدفقات النقد الأجنبي دون ظهور فجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية. بالإضافة إلى استمرار قوة تحويلات المصريين العاملين بالخارج.
وأضاف الشنيطي أن البنك المركزي المصري واصل تبني سياسة الترقب والانتظار حيث أبقى أسعار الفائدة دون تغيير وفق التوقعات اتساقاً مع النهج الذي اتبعته معظم البنوك المركزية عالميًّا انتظاراً لمزيد من الوضوح بشأن مسار التضخم العالمي وتداعيات التطورات الجيوسياسية على الاقتصاد الدولي.
وخلال المناقشات أكد عمر الشنيطي أن التطورات التي أعقبت نهاية يونيو أثبتت أن التهدئة الجيوسياسية لم تتحول بعد إلى سلام دائم. مشيرًا إلى أن ما يشهده العالم حاليًا يمثل انتقالاً إلى “وضع طبيعي جديد” يتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين والتقلب مما يفرض على صناع السياسات والمؤسسات المالية اتباع قدراً أكبر من الحذر عند اتخاذ القرارات.
وأوضح أن استمرار التوترات في منطقة الخليج سيكون له انعكاسات اقتصادية على مستويات الإنفاق الحكومي والاستثمار والتوظيف في المنطقة كما قد تؤثر بصورة غير مباشرة على الاقتصادات المرتبطة بها ومن بينها الاقتصاد المصري.
وتوقع الشنيطي أن تظل أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة ضمن نطاقات مستقرة نسبيًّا تتراوح بين 3.5 – 4 آلاف دولار للأوقية وسط توقعات باستمرار أسعار الفائدة العالمية عند مستوياتها الحالية أو ارتفاعها مما يحد من فرص تحقيق الذهب لموجات صعود قوية كما حدث خلال فترات عدم اليقين السابقة.
وحول فرص جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مصر أوضح أن تحسن التدفقات الاستثمارية يرتبط بدرجة كبيرة باستقرار الأوضاع الإقليمية مشيرًا إلى أن استمرار الاضطرابات في المنطقة قد يحد من قدرة الاقتصادات المجاورة خاصة دول الخليج على ضخ استثمارات جديدة رغم استمرار امتلاك الاقتصاد المصري لمقومات جذب الاستثمار على المدى المتوسط.
واختتم الشنيطي بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب من البنوك المركزية والحكومات تجنب اتخاذ قرارات متسرعة وسط استمرار الضبابية بشأن مسار الأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية مؤكدًا أن حالة الترقب ستظل السمة الرئيسية للأسواق العالمية خلال الفترة المقبلة لحين اتضاح اتجاهات التضخم وأسعار الفائدة واستقرار الأوضاع الإقليمية.

