الترع والمصارف: مقابر على الطريق
سقوط الضحايا مسلسل بلا نهاية والغرقى لم يوقظوا ضمير المسئولين
د. حمدى عرفة: تأمين الطرق مسئولية تكاملية بين المحافظات والرى والنقل.. والحل يبدأ بالتنسيق بينها
حسن مهدى: العنصر البشرى وراء 67% من حوادث الطرق والظلام يزيد الكوارث
لم يتوقع الأب أن تكون تلك هى النهاية..
خرج بصحبة نجليه في طريق اعتاده مئات المواطنين يوميًا، ولم يكن يتوقع أن تنتهي رحلتهم في قاع ترعة. في لحظات، انحرفت السيارة وسقطت في المياه، لينجو الأب بينما ابتلعت الترعة نجليه، في حادث مأساوي شهدته منطقة بنجر السكر بالإسكندرية قبل أيام. هذا الحادث أعاد إلى الأذهان سلسلة طويلة من الوقائع المتشابهة التي تتكرر على الطرق الموازية للترع والمصارف، حيث تتحول ثوانٍ من فقدان السيطرة إلى مأساة إنسانية تحصد الأرواح.
لم يعد سقوط السيارات في الترع والمصارف مجرد “حوادث متفرقة”، بل بات مشهدًا يتكرر بصورة تثير القلق، وسط تساؤلات لا تتوقف: لماذا تتكرر الكارثة في المواقع نفسها؟ وهل تكفي رواية “اختلال عجلة القيادة” لتفسير هذا النزيف المستمر، أم أن غياب الحواجز الخرسانية، ورداءة بعض الطرق، وضعف إجراءات التأمين، عوامل تجعل الخطأ البسيط حكمًا بالإعدام؟
وراء كل سيارة تغرق، أسرة تفقد عائلًا أو طفلًا أو مستقبلًا كاملًا. بينما تتكرر مشاهد الإنقاذ وانتشال الضحايا، تنتهي الواقعة بمحضر وتحقيق قبل أن تطويها النسيان حتى تقع الكارثة التالية. وبين تكرار الحوادث وتشابه أسبابها، يفتح هذا التحقيق ملف الطرق المحاذية للترع والمصارف في مصر ليرصد حجم الظاهرة وأسبابها الحقيقية ومسئولية الجهات المعنية عن تأمين هذه الطرق. هل كانت الأرواح التي تُفقد كل عام يمكن إنقاذها بإجراءات وقائية بسيطة قبل أن تتحول المياه إلى مقابر مفتوحة؟
كوارث.
لم تكن مأساة وفاة 9 أطفال بعد سقوط التروسيكل في ترعة نجع حمادي بمركز أبوتيج بمحافظة أسيوط سوى حلقة جديدة من سلسلة الحوادث التي تحصد الأرواح على الطرق الموازية للترع والمصارف. وقبلها شهدت ترعة المريوطية حادثًا مأساويًا آخر بعدما انقلبت سيارة داخل الترعة لتلقى أسرة كاملة مصرعها في مشهد أعاد إلى الواجهة توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي الصادرة قبل نحو خمس سنوات بضرورة إنشاء حواجز وأسوار على الطرق الموازية للترع والمصارف للحد من حوادث سقوط السيارات وحماية أرواح المواطنين. ورغم تلك التوجيهات لا تزال بعض الطرق بدون وسائل التأمين اللازمة.
ومع تكرار هذه الحوادث، تتزايد التساؤلات حول أسباب استمرار السقوط في الترع والمصارف وما إذا كانت تعود فقط إلى أخطاء السائقين أم أن هناك قصورًا في تأمين الطرق الموازية للترع والمصارف وغياب لوسائل الحماية في بعض المناطق التي تحولت إلى “نقاط سوداء” يتكرر عندها وقوع الحوادث لتظل الأرواح تدفع الثمن.
نقاط الموت.
تعد ترعة المريوطية الأكثر شهرة وسط مصائد الموت من الترع، وكذلك ترعة الإبراهيمية بأسيوط والمنيا وبني سويف وترعة بحر يوسف خاصةً في القرى التي تفقد بشكل دائم أطفالًا في عمر الزهور وكذا ترعة النوبارية التي يتكرر بها سقوط سيارات النقل بسبب ضيق الطرق المجاورة.
ورغم مليارات الجنيهات التي أنفقتها الدولة على تطوير شبكة الطرق خلال السنوات الماضية وتخصيص نحو 1.7 تريليون جنيه لمشروعات النقل منذ عام 2014 ورغم القفزة التي حققتها مصر في مؤشرات جودة الطرق عالميًا إلا أن حوادث السقوط في الترع والمصارف لا تزال تحصد أرواح الأبرياء مما يطرح تساؤلات حول مدى كفاية إجراءات تأمين الطرق الموازية للمجاري.
وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء انخفض عدد وفيات حوادث الطرق في مصر خلال عام 2024 بنسبة 10.3% ليصل إلى 5260 وفاة مقابل 5861 وفاة في عام 2023 بينما ارتفع عدد المصابين بنسبة 7.5% ليسجل 76,362 مصابًا. وأظهرت البيانات أن محافظة القاهرة سجلت أعلى عدد من الوفيات بينما جاءت الدقهلية في صدارة المحافظات من حيث الإصابات كما انخفض معدل قسوة حوادث السيارات ومعدل الوفيات لكل 100 ألف نسمة مقارنة بالعام السابق.
ورغم اختلاف المحافظات التي تشهد هذه الحوادث وتراجع أعداد الوفيات وفقًا للإحصاءات الرسمية فإن المشهد يتكرر بصورة شبه متطابقة؛ سيارة تنحرف عن مسارها لتسقط في ترعة لتبدأ محاولات الإنقاذ التي تنتهي غالباً بسقوط ضحايا جدد مما يفرض إعادة النظر في إجراءات تأمين الطرق الموازية للترع والمصارف خاصةً بالمناطق التي تتكرر فيها.
آراء الخبراء
الدكتور حمدى عرفة:.
أكد الدكتور حمدى عرفة أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية أن تكرار حوادث سقوط السيارات والأتوبيسات والميكروباصات في الترع والمصارف يكشف الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة تأمين الطرق خاصةً الموازية للمصارف والترع مشيرًا إلى أن المسئولية لا تقع على جهة واحدة وإنما هي مسئولية تكاملية بين المحافظات ووزارة الموارد المائية والرى ووزارة النقل كلٌ وفقاً لاختصاصاته القانونية.
وأوضح عرفة أن المحافظات من خلال مديريات الطرق والوحدات المحلية تتولى مسئولية صيانة وتأمين الطرق المحلية وتركيب وسائل السلامة عليها بينما تختص وزارة النقل والهيئة العامة للطرق والكباري بالطرق التابعة لها وتقوم وزارة الموارد المائية والرى بحماية جسور الترع والمصارف والحفاظ عليها مما يستلزم وجود تنسيق دائم بين هذه الجهات قبل وقوع الحوادث وليس بعدها.
وأشار إلى أن الدستور المصري ألزم الدولة بحماية أرواح المواطنين كما أن قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 وقانون الطرق العامة والقوانين المنظمة لأعمال الرى تؤكد جميعها أهمية التكامل بين الجهات التنفيذية عند تنفيذ المشروعات وصيانة المرافق العامة بما يحقق السلامة العامة ويحد من المخاطر.
وأضاف أن أبرز أسباب تكرار هذه الحوادث تتمثل في غياب الحواجز الخرسانية أو المعدنية في العديد من المواقع الخطرة وضعف الإضاءة الليلية وتهالك بعض الطرق ووجود منحنيات حادة دون وسائل تحذير كافية فضلًا عن السرعة الزائدة وتحميل بعض المركبات بأعداد أو أوزان تتجاوز الحدود القانونية بالإضافة إلى عدم إجراء تقييم دوري لمستوى الخطورة على الطرق الموازية للترع والمصارف.
وأكد عرفة أنه يمكن تحقيق نتائج ملموسة حتى مع الإمكانات المتاحة إذا تم حسن التخطيط وتحديد الأولويات وتوجيه الاستثمارات إلى النقاط الأكثر خطورة خاصةً أن تكلفة الوقاية تظل أقل بكثير من الخسائر البشرية والاقتصادية الناتجة عن الحوادث.
وأشار إلى أنه يجب اتخاذ إجراءات عاجلة تشمل إعداد خريطة قومية للمناطق الأكثر خطورة وتركيب الحواجز ووسائل الأمان بالمواقع الحرجة وزيادة الإضاءة والعلامات الإرشادية وتكثيف الرقابة المرورية وإنشاء لجان مشتركة بين المحافظات ووزارتي النقل والرى لمتابعة التنفيذ وفق جداول زمنية محددة.
اختتم الدكتور حمدى عرفة تصريحه بقوله: “إن حماية حياة المواطنين مسئولية وطنية مشتركة ولا يجوز أن تتكرر المآسى بسبب غياب التنسيق بين الوزارات أو تأخر تنفيذ إجراءات السلامة. المطلوب اليوم هو الانتقال من رد الفعل بعد وقوع الحوادث إلى العمل الاستباقي القائم على التخطيط العلمي وتكامل الأدوار بين جميع الجهات المعنية حتى تصبح طرقنا أكثر أماناً ويحظى المواطن بحق أصيل كفله الدستور وهو الحق فى بيئة آمنة وخدمات عامة ذات كفاءة وجودة”.
الدكتور حسن مهدى:.
من جانبه قال الدكتور حسن مهدى أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس إن العنصر البشرى يأتي فى مقدمة أسباب تكرار حوادث الطرق يليه وجود أخطاء أو مشكلات فنية بالطريق ثم الأعطال ومشاكل السيارات.
وأضاف أن إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلى أن العنصر البشرى يتسبب فى أكثر من 67% من حوادث الطرق ما يجعله العامل الرئيسي وراء وقوعها مشيرًا إلى أن حوادث سقوط السيارات فى الترع والمصارف لا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد وإنما تتداخل فيها أخطاء السائق مع عوامل تتعلق بتصميم الطريق ووسائل الأمان المتاحة.
أكد أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس أنه منذ عام 2014 شهدت مصر طفرة كبيرة فى تطوير شبكة الطرق بإنشاء محاور جديدة ورفع كفاءة العديد منها مما انعكس على تحسين ترتيب مصر بنحو 100 مركز فى مؤشر جودة الطرق بتقرير التنافسية العالمية مما يعد شهادة دولية على تطور البنية الأساسية لقطاع roads.
وأوضح أنه ليست المشكلة فقط فى جودة الطريق بل أيضًا سوء استخدامه وعدم التزام بعض السائقين بقواعد المرور مثل تجاوز السرعات المحددة والقيادة لساعات طويلة دون الحصول على قسط كافٍ من الراحة وخاصة سائقي سيارات النقل والميكروباص والحافلات مما يؤدي لوقوع العديد من الحوادث.
وأشار إلى ضرورة متابعة تأمين طرق وضبط الحركة المرورية عبر الإدارة العامة للمرور وإدارات المرور بالمحافظات لضمان التزام السائقين بالقواعد وتعليمات المرور.
وشدد على أهمية نشر الثقافة المرورية بين المواطنين مع إحكام الرقابة على إجراءات منح وتجديد رخص القيادة والتأكد من اللياقة البدنية والصحية للسائقين قبل تجديد الرخص.
وأضاف أنه يجب زيادة الرقابة المرورية والتوسع فى تطبيق منظومة النقل الذكى واستخدام كاميرات المراقبة لرصد المخالفات وتقليل الحوادث.
وفيما يتعلق بحادث ترعة المريوطية أوضح أنه شهدت المنطقة أكثر من حادث خلال الفترة الماضية وأن المنطقة تعد واحدة من “النقاط السوداء” التي تتكرر بها الحوادث مما يستوجب التدخل الفوري خاصة بعد صدور توجيهات رئاسية لتركيب حواجز خرسانية بها للحد منها وحماية المواطنين.

