إذا كان الانغماس في الشبكات الاجتماعية يشبه العيش في غرف زجاجية بأبواب مفتوحة، فإن الاعتماد الكلي على أدوات الذكاء الاصطناعي يشبه التعري تمامًا داخل هذه الغرف.

قبل نحو خمسة عشر عامًا، كانت المقايضة تعني تبادل البيانات الشخصية مقابل تواصل اجتماعي مزعوم. أما اليوم، فقد اتسعت هذه المقايضة لتشمل البيانات الشخصية والمهنية وأسرار الشركات والجامعات والمصانع والمشافي، وكل شيء تقريبًا، مقابل كسب بعض الوقت وادخار الجهد.

لقد انتقلنا من مشاركة صور العطلات إلى تداول محاضر اجتماعات سرية، ومن تحديث الحالة الاجتماعية إلى التفريط في ملفات ومعلومات حساسة.

يمثل هذا التحول قفزة نوعية في حجم المخاطر. ففي حين كانت بياناتنا على الشبكات الاجتماعية تُستخدم لاستهدافنا بالإعلانات، فإن البيانات التي نغذي بها نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية تُستخدم لتدريبها وتشكيل “وعيها”، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من ذاكرتها التي قد تظهر لأي مستخدم آخر في أي مكان بالعالم.

والأرقام هنا -كالعادة- لا تكذب. وفقًا لتقرير سابق لشركة “Cyberhaven” المتخصصة في أمن البيانات، فإن 11% من البيانات التي يغذي بها الموظفون أدوات مثل ChatGPT هي بيانات سرية تشمل معلومات عن العملاء والخطط المالية والاستراتيجية.

كما أظهر تقرير آخر صادر عن شركة “LayerX” أن 4% من الموظفين يزودون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بمعلومات حساسة أسبوعيًا. ولابد من الإشارة إلى الزيادة المتسارعة في تكلفة خرق البيانات، والتي بلغ متوسطها عالميًا 4.45 مليون دولار في عام 2023، وفقًا لتقرير شركة IBM.

الحديث هنا ليس عن مقاطعة أدوات أصبحت كالماء والهواء، بل عن استخدام مقنن وتوظيف سليم لها، بحيث لا تتسرب الخطط والاستراتيجيات إلى أطراف ثالثة ورابعة. القائمة تطول ما دامت الجهات الرسمية المختصة بعيدة ولا تملك أو تشرف على هذه الأدوات.

ولعل الحل يكمن في مسارين متوازيين: الأول على مستوى المؤسسات، عبر تبني سياسات واضحة ترتكز على تدريب الموظفين واستخدام النسخ المؤسسية الآمنة من هذه الأدوات بما يضمن عدم استخدام البيانات للتدريب العام. أما المسار الثاني، وهو الأهم استراتيجيًا، فيقع على عاتق الحكومات ويتمثل في ضرورة بناء نماذج محلية خاضعة لإشراف وطني، خاصة في القطاعات الحساسة مثل الأمن والصحة والتعليم.

في النهاية، قد لا يمكننا هجر هذه الغرف الزجاجية التي أصبحت أمرًا واقعًا، لكن يمكننا تطوير أنظمة ذكية تحمي خصوصية بياناتنا الشخصية والمهنية. فالمكسب المؤقت في الوقت والجهد قد يكون ثمنه خسارة فادحة في الاقتصاد والأمن على المدى البعيد أو القريب.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع.