تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديس كيرلس الأول، البابا الرابع والعشرين للإسكندرية، المعروف بلقب “عمود الدين”. يُعتبر كيرلس أحد أبرز آباء الكنيسة الأرثوذكسية وأكثرهم تأثيرًا في تاريخها، حيث ترك إرثًا لاهوتيًا وروحيًا ودورًا بارزًا في الدفاع عن الإيمان المسيحي.
وُلِد القديس كيرلس في الإسكندرية، وهو ابن أخت البابا ثاؤفيلس البطريرك الثالث والعشرين. تلقى تعليمه في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، حيث تميز بدراسته للعلوم اللاهوتية والفلسفية. ثم أرسله خاله إلى دير القديس مقار الكبير بوادي النطرون ليتتلمذ على يد شيوخ الرهبنة، حيث قضى سنوات في العبادة والتقوى ودراسة كتب الآباء قبل أن يعود إلى الإسكندرية ويُرسم شماسًا، ليُعرف ببلاغته وقوة عظاته وتأثيره الكبير في نفوس المؤمنين.
بعد نياحة البابا ثاؤفيلس عام 412 ميلادية، تولى القديس كيرلس الكرسي المرقسي ليبدأ مرحلة فارقة في تاريخ الكنيسة. كرّس جهوده لمواجهة الوثنية والبدع والدفاع عن العقيدة الأرثوذكسية، كما تصدى لكتابات الإمبراطور يوليانوس الجاحد ودحضها بمؤلفاته وحججه اللاهوتية.
يُعتبر القديس كيرلس الشخصية الأبرز في مجمع أفسس المسكوني عام 431 ميلادية، حيث ترأس أعمال المجمع وقاد المواجهة ضد تعاليم نسطور بطريرك القسطنطينية. أكد إيمانه بأن السيدة العذراء مريم هي “والدة الإله” وقدم اثني عشر فصلًا شهيرًا لشرح الإيمان الأرثوذكسي، والتي أصبحت من أهم المراجع العقائدية في تاريخ الكنيسة.
كما ترك البابا كيرلس الأول عشرات المؤلفات والتفسيرات لأسفار الكتاب المقدس وأسهم في ترسيخ الفكر اللاهوتي الأرثوذكسي حتى استحق لقب “عمود الدين” تقديرًا لدوره الكبير في حماية الإيمان.
تنيح القديس كيرلس الأول بسلام بعد أن قضى على الكرسي المرقسي نحو 31 عامًا وثمانية أشهر وعشرة أيام، تاركًا إرثًا روحيًا وعلميًا لا يزال حاضرًا في وجدان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية حتى اليوم.

