تُعرف الشائعة بأنها خبر أو معلومة أو صورة أو تسجيل أو تعليق يتداول بين الناس دون تحقق كافٍ من مصدره أو دقته أو سياقه.
يمكن أن تكون الشائعة كاذبة بالكامل، أو صحيحة جزئيًا ومضللة في طريقة عرضها، أو قديمة تعاد نشرها كأنها واقعة جديدة، أو مجتزأة من سياقها مما يغير معناها. وتزداد خطورتها في البيئة الرقمية حيث تتحرك بسرعة وتكتسب أحيانًا مظهر الحقيقة من كثرة تداولها، مما يؤثر على قرارات الأفراد وثقة المجتمع واستقرار الأسواق وسلامة العلاقات بين الناس.
في الواقع اليومي، تظهر الشائعات غالبًا في صور مألوفة: أخبار اقتصادية غير موثوقة عن الأسعار أو البنوك أو السلع، رسائل صحية مجهولة المصدر عن علاج أو لقاح، منشورات تعليمية تثير قلق الأسر والطلاب، ادعاءات عن قرارات حكومية لم تصدر بعد، صور قديمة تنسب إلى وقائع حاضرة، أو حسابات تنتحل صفة أشخاص أو مؤسسات. لذا فإن مواجهة الشائعات ليست مجرد مسألة إعلامية عابرة بل هي مسؤولية قانونية ووعي مجتمعي؛ فالمعلومة عند نشرها قد تنتقل من نطاق الكلام العادي إلى نطاق الأثر العام.
ينطلق التعامل القانوني مع الشائعات من قاعدة مهمة: حرية الفكر والرأي والتعبير حقوق دستورية أصيلة. نص الدستور المصري في المادة (65) على أن حرية الفكر والرأي مكفولة لكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير ووسائل التعبير والنشر الأخرى.
هذه القاعدة تعني أن النقد الموضوعي وتبادل الآراء وطلب التوضيح هي صور معتبرة للمشاركة العامة.
لكن الدستور لا يفهم الحرية على أنها انفصال عن المسؤولية. فحرية التعبير القانونية لا تعطي ترخيصًا بنشر أخبار مختلقة أو ترويج بيانات مجهولة المصدر. الحرية يجب أن تكون مساحة للوعي وليس غطاء للضرر. الرأي يحترمه القانون حين يكون رأيًا، أما اختلاق الوقائع فتحتاج إلى قدر أكبر من التثبت والاحتياط.
تكمل الصورة الدستورية بالنظر إلى المادة (68) التي تنص على أن المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب. الإفصاح عنها حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها بشفافية وتنظيم ضوابط الحصول عليها وسريتها وعقوبات حجب المعلومات المغلوطة عمدًا.
تلتزم مؤسسات الدولة بإيداع الوثائق الرسمية بعد انتهاء فترة العمل بها بدار الوثائق القومية وحمايتها وتأمينها. المواطن له حق المعرفة وعليه واجب عملي يتمثل في طلب المعلومة من مصدرها الصحيح وتمييز المصدر الرسمي عن التحليل الصحفي والرأي الشخصي.
حماية السلم العام من الأخبار الكاذبة
يرتب القانون المصري مسؤولية على نشر الأخبار الكاذبة متى توافرت عناصرها القانونية. نصت المادة (188) من قانون العقوبات على أنه يعاقب بالحبس لمدة لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه كل من نشر بسوء قصد أخباراً كاذبة إذا كان من شأن ذلك تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس.
كما عالج قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم (180) لسنة (2018) جانبًا مهمًا من بيئة النشر حيث نصت المادة (19) منه على أنه يحظر على الوسائل الإعلامية نشر أخبار كاذبة تدعو لمخالفة القانون أو تحرض على العنف والكراهية وتدعو للتمييز بين المواطنين.
ويضاف إلى ذلك قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (175) لسنة (2018)، الذي يتعامل مع جرائم البيئة الرقمية مثل اصطناع المواقع والحسابات واستخدام البيانات بشكل غير قانوني. أهمية هذا القانون تظهر في زمن يمكن فيه لحساب مزيف أن يخلط بين الحقيقة والتزوير بسهولة.
المواطن في قلب المواجهة: لا تنشر حتى تتحقق
مواجهة الشائعات تبدأ بسلوك الفرد أمام شاشة هاتفه. كل مواطن أصبح قادرًا على إنتاج محتوى ونقله لعشرات الأشخاص وهذه القدرة تفرض أدبًا قانونيًا وأخلاقيًا جديدًا: لا تكن طريقًا سريعًا لخبر مجهول المصدر.
ينبغي قراءة الخبر كاملًا قبل مشاركته والتحقق من تاريخ النشر والمصدر الأصلي وعدم الاكتفاء بعنوان مثير. إذا كان الخبر يتعلق بقرار رسمي يجب الرجوع للجهة المختصة.
وإذا كان الخبر صحيًا فالأفضل استشارة أهل الاختصاص قبل الاعتماد عليه. وفي حالة الأخبار الاقتصادية يجب الانتباه لأن الشائعات قد تؤثر سلباً على قرارات الناس ومعيشتهم.
الوعي الاجتماعي والثقافة القانونية
تتجلى قيمة المادة (86) من الدستور التي تؤكد أهمية الحفاظ على الأمن القومي كمبدأ عام يشمل الثقة العامة وسلامة المعلومات وقدرة المجتمع على التمييز بين الخبر الموثوق والشائعة المجهولة.
الالتزام هنا ليس خطاباً بعيداً عن الحياة اليومية بل يبدأ بسؤال بسيط قبل المشاركة: “من قال؟ ومتى؟ وبأي دليل؟”.
يتطلب الأمر أيضًا برامج توعية رقمية في المدارس والجامعات لتعزيز الوعي حول الفرق بين الرأي والخبر والنقد والشائعة وحقوق الآخرين. المعرفة القانونية يجب أن تجعل المواطن أكثر حرية ومسؤولية في الوقت نفسه.
وفي الختام، فإن مواجهة الشائعات تحتاج إلى جهد جماعي يتضمن أفراد المجتمع والدولة معاً لبناء ثقافة قانونية تحمي الجميع وتعزز الثقة والمشاركة العامة.

