تقول الحكمة المأثورة إن المال الكثير والسلطة المطلقة مفسدتان، وقد أصبح الفيفا ماكينة لجمع الأموال العملاقة، حيث تحولت المؤسسة الصغيرة في زيوريخ إلى عملاق مالي يتفوق على العديد من الدول. تمتلك الفيفا شراكات واسعة مع مختلف المجالات، تتقاطع مصالحها أحيانًا مع المبادئ والقيم التي تأسست عليها.
تعتمد القوة الاقتصادية المتزايدة للفيفا منذ بداية القرن الحالي على بيع حقوق البث التلفزيوني في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى العائدات الناتجة عن رعاية بطولاتها المختلفة. ومع اقتراب بطولة كأس العالم 2018 في روسيا، شهدت الأمور تحولًا جذريًا، حيث دخلت شركات المراهنات الأمريكية كشركاء جدد للفيفا. أدى ذلك إلى تدفق كبير للعوائد المالية إلى خزينة الفيفا، خاصة بعد الشراكة المثيرة للجدل مع منصة “إيه دي أي بريديكت” كراعٍ رسمي لكأس العالم. بدأت الفيفا في استغلال سوق المراهنات والتوقعات الرياضية، مستفيدة من التطور الذي شهدته هذه الشركات مؤخرًا، وظهور منصات جديدة تستهدف الأجيال الشابة باستخدام العملات المشفرة وطرق الدفع الحديثة.
من بين هذه المنصات “بوليماركت” التي عادت للسوق الأمريكية بعد إعادة هيكلتها، و”كالشي” للتوقعات التي يترأسها الأمريكي طارق منصور، والذي يعد أحد أكبر المساهمين فيها هو دونالد ترامب الابن. تهتم هذه المنصات بالتوقعات والمراهنات على الأحداث الآنية في مجالات عدة مثل الرياضة والاقتصاد والسياسة. وبفضل هذه المنصات، ارتفعت قيمة الرهانات الخاصة بكأس العالم الحالي إلى حوالي 50 مليار دولار بدلاً من 35 مليار دولار لمونديال قطر 2022 و21 مليار دولار لمونديال روسيا 2018.
ولم تكتفِ الفيفا بهذه العوائد المالية الضخمة، بل شملت عائداتها أيضًا سوق تذاكر المباريات. حيث تم السماح بإعادة بيع التذاكر عبر الفيفا نفسها بدلاً من منع السوق السوداء. تم إنشاء بورصة للتذاكر تتيح لمالكي التذاكر عرضها للبيع بناءً على حجم المنتخبين ونجومهما. تحصل الفيفا على 30% من القيمة النهائية لتلك التذاكر بالتساوي بين البائع والمشتري حسب أهمية المباراة. فعلى سبيل المثال، شهدت مباراة مصر والأرجنتين ارتفاعًا كبيرًا في أسعار التذاكر بحسب مجريات المباراة وتقدم الفريقين.
ومع مرور الوقت، أصبح الفيفا كيانًا اقتصاديًا بحتًا وتحولت كأس العالم إلى سلعة تجارية أخرى تتداخل فيها مصالح شركات ومنصات تتناقض أهدافها وشعاراتها مع قيم النزاهة والاحترام والعدل التي لطالما روجت لها الفيفا. بينما أصبحت تلك الشعارات مجرد خطوط صغيرة على قمصان اللاعبين، فإن عرقهم وجهدهم في الملعب يمول خزائن منصات المراهنات والتوقعات.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع.

