أكدت دار الإفتاء المصرية أن القول بمقاطعة المسلم لغير المسلمين مقاطعةً تامة يعد قولًا فاسدًا؛ حيث يجب على المسلم موالاة المسلمين ونصرتهم، وعدم معاداة غير المسلمين. فقد أمرت الشريعة الإسلامية أتباعها بالإحسان والبر لكل من لا يعادي المسلمين أو ينتهك حقوقهم، وأكدت على ضرورة اتخاذ المسلم كل الوسائل الممكنة للعيش المشترك مع غيره.
حكم العيش المشترك بين المسلم وغيره
أوضحت دار الإفتاء أن القول بأن الفصام بين المسلم وغير المسلمين يجب أن يكون تامًا وإلا كان توحيده مخدوشًا هو كلام فاسد. فقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28]. فظاهر هذه الآية أن الموالاة المؤثرة المذكورة على سبيل الذم هي ما كانت لأجل كفرهم؛ بمعنى أن من يواليهم إنما يواليهم بسبب كفرهم، لأن القاعدة تقول إن تعليق الحكم بالمشتق يشير إلى علية ما منه الاشتقاق، وهو هنا: الكفر.
وقد أشار الإمام الطبري في تفسير هذه الآية في “جامع البيان” (6/ 313، ط. مؤسسة الرسالة) إلى أن المعنى هو: [لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم وتظاهرونهم ضد المسلمين من دون المؤمنين].
كما أشار الإمام ابن عطية في تفسيره “المحرر الوجيز” (5/ 282، ط. دار الكتب العلمية) عند الحديث عن قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22]، حيث قال: [وتحتمل الآية أنه لا يوجد من يؤمن بالله والبعث يواد من حاد الله من حيث هو محادٍّ؛ لأنه حينئذٍ يود المحادة مما يوجب عدم إيمانه].
كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56].
وروى البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه أن أبا طالب عندما حضرته الوفاة، دخل عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أبو جهل، فقال له: «أَيْ عَمِّ قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحاجُّ لكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك»، فنزلت الآيات التي تشير إلى ذلك.

