تعتبر الخطوة الصينية بفتح خدمة حاويات أسبوعية عبر الطريق البحري الشمالي (طريق بحر الشمال) أكثر من مجرد محاولة لتقليص زمن الشحن بين آسيا وأوروبا، إذ تحمل أبعادًا جيوسياسية تتجاوز الحسابات التجارية. ومع اضطراب طرق الملاحة التقليدية بفعل التوترات في البحر الأحمر والشرق الأوسط، تسعى بكين إلى تنويع ممراتها التجارية وتقليل تعرض سلاسل إمدادها للمخاطر. يمنح المسار القطبي روسيا موقعًا أكثر أهمية في حركة التجارة العالمية، حيث غادرت سفينة حاويات صينية ميناء نينجبو شرق البلاد متجهة إلى أوروبا عبر المحيط المتجمد الشمالي، مما يعكس انتقال بكين تدريجيًا من اختبار الطريق البحري الشمالي إلى توظيفه كمسار تجاري أكثر انتظامًا، ليكون بديلاً جزئيًا للممرات التقليدية مثل قناة السويس والبحر الأحمر.

مسار تجاري خارج خرائط الأزمات

يعتمد المسار الصيني على الطريق البحري الشمالي الممتد بمحاذاة الساحل الروسي في القطب الشمالي وصولاً إلى شمال أوروبا. ومع بدء شركة الشحن الصينية “سي ليجند” تشغيل خدمة يخطط لأن تكون أسبوعية خلال موسم الملاحة القطبية، تبدو بكين أمام محاولة لتحويل الممر من خيار استثنائي وتجريبي إلى جزء من شبكة تجارية أكثر تنوعًا، مما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة أمام الاختناقات الجيوسياسية التي تضغط على طرق التجارة الممتدة عبر جنوب آسيا والشرق الأوسط.

ويمثل الانتقال من رحلات تجريبية منفردة إلى خدمة مجدولة أسبوعيًا التطور الأهم في استخدام الصين للطريق البحري الشمالي؛ إذ إن إطلاق خدمة الخط البحري السريع بين الصين وأوروبا عبر القطب الشمالي من ميناء نينجبو الصيني إلى ميناء فيلكستو البريطاني (أكثر موانئ الحاويات ازدحامًا في المملكة المتحدة، والذي يتعامل مع 48٪ من تجارة الحاويات في بريطانيا)، مع التخطيط لثماني رحلات خلال موسم الملاحة لعام 2026، يشير إلى محاولة اختبار قدرة المسار القطبي على الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى نموذج تجاري أكثر انتظامًا.

وتكمن أهمية الخطوة في أنها تأتي في وقت تتعرض فيه خريطة التجارة العالمية لضغوط متزايدة. فالاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر (سواء من خلال هجمات الحوثيين في اليمن أو عمليات القرصنة)، إلى جانب التوترات الممتدة في الشرق الأوسط وسط الحرب (المعطلة) بين الولايات المتحدة وإيران، دفعت شركات الشحن إلى إعادة تقييم طرقها التقليدية، مما يمنح الممرات البديلة أهمية استراتيجية لم تكن تحظى بها سابقًا.

الطريق البحري الشمالي

والطريق البحري الشمالي هو ممر شحن بحري يمتد على طول ساحل القطب الشمالي الروسي من بحر بارنتس الذي يقع شمال شرق النرويج والجزء الأوروبي من روسيا، وصولاً إلى مضيق بيرينج الذي يفصل بين قارة آسيا وقارة أمريكا الشمالية ويقع بين المحيط الهادئ والمحيط المتجمد الشمالي.

ويبلغ طول الطريق البحري الشمالي حوالي نصف مسار قناة السويس، وتقدر رحلته بين شرق آسيا وأوروبا بنحو 18 إلى 20 يومًا مقارنةً بـ40 إلى 50 يومًا بالطرق التقليدية.

موسكو.. المستفيد الاستراتيجي من التحول

يمر الطريق البحري الشمالي بمحاذاة الساحل الروسي، مما يجعل أي توسع في استخدامه مرتبطاً بصورة مباشرة بالبنية التحتية الروسية والتراخيص وخدمات كاسحات الجليد. وهنا تظهر أهمية المشروع بالنسبة لموسكو التي تسعى منذ سنوات لتعزيز موقعها الجغرافي الفريد في هذا المسار، فضلاً عن امتلاكها أسطولاً من كاسحات الجليد وسط مشروعات روسية متسارعة لتعزيز قوتها في بناء كاسحات الجليد النووية. وبالتالي فإن زيادة حركة السفن الصينية والأوروبية عبر الممر تعني تعزيز أهمية روسيا اللوجستية والجيوسياسية في منطقة القطب الشمالي.

لكن هذه الميزة تحمل في الوقت نفسه مخاطرة استراتيجية للصين؛ إذ إن الاعتماد على طريق يمر بالكامل تقريبًا ضمن نطاق النفوذ الروسي يعني أن تنويع طرق التجارة لا يؤدي بالضرورة إلى التخلص من المخاطر الجيوسياسية بل قد ينقلها من البحر الأحمر وقناة السويس إلى علاقة أكثر اعتماداً على موسكو.

هل يهدد الطريق القطبي قناة السويس؟

من الناحية الزمنية يمتلك الطريق البحري الشمالي جاذبية واضحة. فالرحلة بين ميناءي نينجبو وفيلكستو يمكن أن تستغرق نحو 20 يومًا مقابل نحو 40 يومًا عبر قناة السويس، فيما قد يصل زمن الرحلة عبر رأس الرجاء الصالح إلى نحو 50 يومًا.

لكن اختصار المسافة لا يعني أن الطريق القطبي أصبح منافساً مكتمل الأركان لقناة السويس. فالممر الشمالي ما زال موسمياً ويتطلب التعامل مع الجليد والطقس القاسي، كما أن خدمات الإنقاذ والطوارئ محدودة مقارنة بالممرات التجارية التقليدية.

وبالتالي فإن المنافسة مع قناة السويس لن تحسمها المسافة وحدها وإنما ستتوقف على معادلة أكثر تعقيداً تشمل تكلفة التأمين وتوافر كاسحات الجليد واستقرار الطقس وقدرة الموانئ الأوروبية والآسيوية على استيعاب هذا النوع من الخدمات بالإضافة إلى التطورات السياسية في روسيا والقطب الشمالي.

الحرب الأوكرانية تعيد تشكيل الممرات التجارية

يحمل المشروع أيضًا دلالة سياسية في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الغربية على موسكو. فالصين، باستخدام طريق يمر عبر السواحل الروسية لا تتعامل فقط مع خيار جغرافي وإنما مع فضاء تجاري تتحكم روسيا في جزء كبير من بنيته التحتية.

وقد يؤدي توسع حركة التجارة عبر هذا الطريق إلى تعزيز أهمية التعاون الصيني الروسي في قطاع النقل البحري والطاقة والبنية التحتية بينما تواجه موسكو ضغوطاً غربية واسعة.

وفي المقابل قد تنظر الدول الغربية لتوسع النشاط الصيني عبر الممر القطبي باعتباره مؤشراً على تشكل مسارات تجارية جديدة أقل ارتباطاً بالبنية التقليدية التي تهيمن عليها القوى الغربية.

تراجع الجليد.. فرصة اقتصادية ومأزق بيئي

ساهم تراجع مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي بإطالة الفترات التي يمكن خلالها استخدام الطريق، وهو تطور يفتح فرصاً اقتصادية جديدة للصين وروسيا وغيرهما من الدول.

لكن المفارقة أن العامل الذي يجعل الطريق أكثر قابلية للاستخدام هو نفسه أحد أبرز مؤشرات التغير المناخي. ومع زيادة حركة السفن ترتفع المخاوف المتعلقة بالتلوث وتسرب النفط والأضرار التي قد تلحق بالنظم البيئية القطبية الهشة.

كما أن المخاطر التشغيلية تظل مرتفعة بدءاً من أعطال السفن واحتمال الاحتجاز داخل الجليد وصولاً لضعف خدمات الإنقاذ وصعوبة التعامل مع الحوادث في منطقة شاسعة ونائية.

هل يتحول الطريق البحري الشمالي إلى واقع دائم؟

الاختبار الحقيقي للمشروع الصيني لن يكون فقط بنجاح الرحلات الثماني المقررة خلال موسم 2026 ولكن أيضًا بقدرة الشركات على تحويل هذه التجربة إلى خدمة مستقرة وقابلة للتوسع اقتصاديًا؛ إذ إن ارتفاع عدد سفن الحاويات العابرة للممر من 15 سفينة عام 2024 الى 23 سفينة عام 2025 يعكس اهتماما متزايدا لكنه لا يزال بعيداً عن حجم الحركة التي تشهدها طرق التجارة التقليدية.

  • الفيديو المرفق يعبر عن تدريبات للقوات الخاصة الروسية في القطب الشمالي بمشاركة فرق إنقاذ في جبال خيبيني النائية.