كم من أغنية رفضناها في البداية، ثم اكتشفنا بعد أيام أننا نرددها دون شعور؟ الغريب أن الذاكرة الموسيقية لا تحتفظ دائمًا بما أحببناه من اللحظة الأولى، بل قد تحتفظ بما قاومناه في البداية. كأن الأذن تحتاج أحيانًا إلى وقت لتعتاد ما لم تعتده سابقًا.

هذه المسافة بين الصدمة والألفة تفتح بابًا مهمًا لفهم علاقة الجمهور بالأغنية، خاصة من خلال ما تطرحه نظرية التلقي حول أفق التوقع. فالمتلقي لا يستقبل العمل الفني من فراغ، وإنما يأتي محملاً بذاكرة سابقة وتوقعات وصور ذهنية عما ينبغي أن يكون عليه العمل أو الفنان.

عندما يأتي العمل مختلفًا عن هذه التوقعات، تحدث الصدمة.. لكن الصدمة لا تعني بالضرورة الرفض النهائي، فقد تكون بداية عملية أخرى أكثر تعقيدًا، وهي إعادة التلقي. ولعل واحدة من أشهر الحكايات التي تكشف هذه المفارقة تعود إلى عبد الحليم حافظ عندما غنى “صافيني مرة” في بداياته.

حينها لم يستقبل الجمهور اللون الجديد بالترحاب، بل وصل الاعتراض إلى قذف المطرب بالبيض والطماطم، ومطالبته بغناء أعمال الموسيقار محمد عبد الوهاب. لكن الأغنية نفسها عادت بعد ذلك لتلقى نجاحًا كبيرًا، وكانت من البدايات التي صنعت اسم العندليب.

ما الذي تغير إذن؟ الأغنية لم تتغير، ولكن ما تغير هو موقعها داخل وعي المتلقي. وهنا تكمن المفارقة؛ فما نرفضه أحيانًا ليس لأنه سيئ، وإنما لأنه جديد أكثر مما توقعنا في اللحظة الأولى.

وبعد أكثر من سبعين عامًا، تبدو الحكاية وكأنها تتكرر بصورة أخرى مع ألبوم عمرو دياب الجديد “حبيتك”. الألبوم الذي طرح في يوليو 2026 وضم 12 أغنية استقبلته الآراء الأولى بحالة من الانقسام؛ بين من رأى أن بعض الكلمات غير موفقة وسخر منها، ومن أعجبته الأغاني.

هنا يصبح عمرو دياب مثالاً معاصرًا على استمرار الظاهرة؛ فالجمهور الذي اعتاد صورة موسيقية معينة لنجم مثله يستمع إلى الأغنية الجديدة وهو يحمل “أفق توقع” خاص به.

أغنية “الألوان” تمثل مثالاً واضحًا على ذلك؛ فالكلمة نفسها بسيطة ويومية لكنها تتحول إلى محور غنائي يجعل المألوف يبدو فجأة غريبًا بما يكفي لإثارة الانتباه. أما أغنية “لولا البنات” فتذهب إلى منطقة أكثر عمقًا.. الذاكرة الشعبية. تستدعي الأغنية قاموساً شعبياً مصرياً مألوفاً في تعبيراته وصوره ثم تعيد تقديمه داخل صياغة موسيقية وبصرية معاصرة. هنا لا يُقدم الفولكلور باعتباره مادة قديمة منسية، وإنما باعتباره مادة قابلة للتدوير يمكن إعادة تشكيلها لتخاطب المستمع المعاصر.

وهذه واحدة من أجمل ألعاب التلقي؛ أن تجعلنا نتعرف إلى شيء قديم من خلال شكل جديد. فالمتلقي قد لا يذهب إلى الفولكلور بحثاً عن الفولكلور ذاته، لكنه حين يسمعه في صياغة معاصرة تشتغل ذاكرته بحميمية دون استئذان. شيء مألوف في عمقه وجديد في مظهره. وهكذا لا يصبح التراث نقيضاً للحداثة، وإنما مادة يمكن للحداثة أن تعيد اكتشافها.

الأمر نفسه يحدث مع الأغنية التي تصدمنا في بدايتها؛ كثرة الاستماع تمنح الأذن فرصة للتكيف وتداول الأغاني يمنحها حياة خارج لحظة الاستماع الأولى. التعليقات والاختلافات حولها تحولها من مجرد أغاني إلى موقف قابل للنقاش.

وهنا تدخل وسائل التواصل الاجتماعي لتغير قواعد اللعبة؛ فالاعتراض نفسه أصبح مشاركة والسخرية أصبحت ترندًا وإعادة نشر المقطع أصبحت جزءًا من انتشار العمل. لم يعد الجمهور مستهلكاً صامتاً بل أصبح مشاركاً يعيد إنتاج الأغنية بالكلام والصور والمقاطع والميمز والنشر.

تكرار تلك الظاهرة يكشف شيئاً مهماً عن طبيعة التلقي؛ الأذن لا تبحث فقط عما تعرفه بل قد تتعلم بمرور الوقت أن تحب ما كان غريباً عنها!

لذا لا تبدو المسألة مرتبطة بعمرو دياب وحده ولا بعبد الحليم حافظ قبله. هنا لا أقارن بين الفنانين ولكن بين الظاهرة المشتركة بينهما.. إنها تتعلق بعلاقة أقدم وأعمق بين الفن والجمهور. الفنان يختبر حدود المألوف والجمهور يقاوم ثم يعيد النظر ويعتاد ويألف مرة أخرى.