في ظل تجدد الحراك الأممي بشأن قضية الصحراء الغربية، عادت الجزائر لتؤكد من على منبر الأمم المتحدة ثبات موقفها المبدئي الداعم لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، استنادًا إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وجاءت تصريحات الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة، السفير عمار بن جامع، لتجدد التأكيد على أن القضية تظل مسألة تصفية استعمار، مع التشديد على دعم الجزائر للمسار السياسي القائم على المفاوضات المباشرة بين طرفي النزاع واحترام الشرعية الدولية.

في هذا السياق أكد ميخائيل ماهر، خبير القانون الدولي بواشنطن، أن قضية الصحراء الغربية لا تزال تمثل واحدة من أبرز ملفات تصفية الاستعمار المطروحة على أجندة الأمم المتحدة، في ظل استمرار الجدل الدولي بشأن سبل التوصل إلى تسوية سياسية تحظى بالشرعية الدولية. وأوضح أن الجزائر تجدد في مختلف المحافل الدولية تمسكها بالموقف الذي تتبناه منذ عقود، والقائم على اعتبار القضية مسألة قانونية وسياسية لم تستكمل بعد مسار تصفية الاستعمار، وفق ما تنص عليه المواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وهو ما يعكس ثباتا واضحا في سياستها الخارجية تجاه هذا الملف.

وأشار ميخائيل ماهر إلى أن الخطاب الجزائري أمام الأمم المتحدة يستند إلى مرتكزات قانونية ثابتة، تتمثل في احترام ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي. وأضاف أن الجزائر تعتبر أن إدراج الصحراء الغربية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي يمنح القضية وضعا قانونيا خاصا، ويجعل معالجتها مرتبطة بآليات الأمم المتحدة الخاصة بتصفية الاستعمار، وليس بأي ترتيبات أحادية قد تخرج عن هذا الإطار.

وأوضح ميخائيل ماهر أن الموقف الجزائري يقوم على قناعة راسخة بأن أي حل دائم للنزاع ينبغي أن يضمن للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير مصيره بحرية، باعتباره حقا معترفا به في القانون الدولي، وليس مجرد خيار سياسي قابل للتفاوض أو التجاوز. ويرى أن هذا الطرح حافظ على استمراريته رغم المتغيرات التي شهدها الإقليم خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى السياسي أو الأمني، الأمر الذي منح الدبلوماسية الجزائرية قدرا كبيرا من الاتساق في الدفاع عن رؤيتها داخل المؤسسات الدولية.

وأضاف ميخائيل ماهر أن تمسك الجزائر بالمرجعيات القانونية الدولية يمنحها مساحة واسعة للتحرك داخل الأمم المتحدة، إذ إن الاحتكام إلى القرارات الأممية يظل بالنسبة إليها الضمان الأساسي للحفاظ على الطابع القانوني للقضية. ويرى أن هذا النهج يهدف إلى منع انتقال النزاع من إطار الشرعية الدولية إلى منطق فرض الوقائع الميدانية، وهو ما تعتبره الجزائر عاملا قد يعقّد فرص الوصول إلى تسوية مقبولة ومستدامة.

كما أوضح ميخائيل ماهر أن الجزائر تحرص في مختلف مواقفها الرسمية على التأكيد بأن الأمم المتحدة تظل الجهة الوحيدة المخولة برعاية مسار التسوية، وأن أي تقدم في هذا الملف ينبغي أن يتم تحت إشراف المنظمة الدولية وبالاستناد إلى قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة. ويرى أن هذا الموقف يعكس تمسكا واضحا بالحلول متعددة الأطراف، باعتبارها الأكثر قدرة على توفير الضمانات القانونية والسياسية لجميع الأطراف المعنية.

وأكد ميخائيل ماهر أن الدعوة الجزائرية إلى استئناف المفاوضات المباشرة بين طرفي النزاع تندرج ضمن رؤية تعتبر الحوار السياسي الوسيلة الأكثر واقعية لإنهاء حالة الجمود التي طبعت الملف خلال السنوات الماضية. ويشير إلى أن استمرار توقف المفاوضات ساهم في تعقيد المشهد الإقليمي، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء، وهو ما يجعل إعادة إطلاق العملية السياسية أمرا يكتسي أهمية متزايدة بالنسبة للاستقرار الإقليمي.

ويرى ميخائيل ماهر أن نجاح أي مفاوضات مستقبلية يتطلب تهيئة مناخ من الثقة بين الأطراف، مع الالتزام الصارم بالمرجعيات القانونية الدولية، لأن غياب هذه العناصر قد يؤدي إلى استمرار حالة الانسداد السياسي. ويضيف أن التجارب الدولية في تسوية النزاعات تؤكد أن الحلول المستدامة لا تتحقق إلا عندما تستند إلى قواعد القانون الدولي وتحظى بقبول الأطراف المعنية، بعيدا عن الضغوط أو الحلول المفروضة.

وأشار ميخائيل ماهر إلى أن البعد القانوني في قضية الصحراء الغربية يظل عنصرا أساسيا في مختلف النقاشات الأممية، إذ ترتبط القضية بمبادئ قانونية راسخة مثل عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهي مبادئ تشكل جزءا من النظام الدولي المعاصر. ولذلك، فإن استمرار الجزائر في الاستناد إلى هذه المبادئ يمنح خطابها بعدا قانونيا يتجاوز الاعتبارات السياسية الظرفية.

وأضاف ميخائيل ماهر أن الحفاظ على استقرار منطقة المغرب العربي يظل مرتبطا بإيجاد تسوية عادلة لهذا النزاع، لأن استمرار الخلافات الإقليمية ينعكس على فرص التعاون الاقتصادي والأمني بين دول المنطقة. ويرى أن معالجة القضية في إطار الأمم المتحدة يمكن أن تفتح المجال أمام تعزيز التعاون الإقليمي، خاصة في مواجهة التحديات المشتركة المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

وشدد ميخائيل ماهر على أن الموقف الجزائري يعكس تمسكا بخيار الحل السياسي القائم على الشرعية الدولية، مع التأكيد المستمر على دعم حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وفقا لما تنص عليه قرارات الأمم المتحدة. ويرى أن أي تسوية دائمة لهذا النزاع لن تكون قابلة للاستمرار إلا إذا استندت إلى حوار جاد، ورعاية أممية فعالة، واحترام كامل لمبادئ القانون الدولي، بما يسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي ويضع أسسا أكثر صلابة لعلاقات قائمة على التعاون والسلم في المنطقة.