لم يكن هذا المقال وليد فكرة عابرة، بل جاء ثمرة حوار ثري دار بيني وبين عدد من الأصدقاء حول ما آلت إليه منظومة القيم الأكاديمية بعد واقعة السرقة الفكرية التي أثارت الرأي العام. وقد أعاد ذلك الحوار إلى الواجهة أسئلة أعمق تتجاوز حدود الواقعة ذاتها، لتلامس أزمة الضمير العلمي، وتراجع أخلاقيات البحث، واهتزاز منظومة النزاهة داخل بعض المؤسسات الأكاديمية.

ومن هنا جاءت هذه السطور لا للتعليق على حادثة بعينها، وإنما لقراءة ما تكشفه من أزمة أوسع تستحق أن تناقش بصدق ومسؤولية.

في المجتمعات التي تحترم نفسها، لا تقاس قيمة الإنسان بما يحمله من ألقاب، وإنما بما يقدمه من أثر. فاللقب العلمي لا يصنع عالمًا، والمنصب لا يصنع مثقفًا، والكتاب الذي يحمل اسمًا على غلافه لا يصنع كاتبًا بالضرورة. ما يصنع الإنسان هو قدرته على إنتاج المعرفة، والدفاع عن أفكاره، وتحمل المسؤولية الأخلاقية لما يقدمه للمجتمع.

لكننا أمام أزمة تتجاوز الأفراد إلى بنية اجتماعية كاملة. أزمة بدأت حين انفصلت المكانة عن الاستحقاق، وحين أصبح الوصول إلى اللقب أحيانًا أهم من امتلاك أدواته. كما تحولت المعرفة في بعض البيئات إلى وسيلة للترقي الاجتماعي بدلًا من أن تكون مشروعًا لبناء العقل.

إن قضية الكتاب التي ارتبطت بالكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد والوزيرة المستقيلة الدكتورة جيهان زكي بعد صدور حكم نهائي بات من محكمة النقض المصرية في النزاع ليست مجرد ملف قضائي انتهى بحكم. بل هي جرس إنذار ثقافي وأخلاقي يكشف أزمة أعمق: أزمة التعامل مع الكلمة والفكرة باعتبارهما شيئًا قابلًا للامتلاك والاستحواذ، لا باعتبارهما أمانة ومسؤولية.

والأكثر دلالة في هذه القضية هو الجدل الذي أثير حول القول بأن شخصًا آخر قام بكتابة الكتاب وأن المسؤولية عن الفعل تقع على من أعد النص وليس على من حمل اسمه. فهذا الطرح يفتح بابًا واسعًا أمام سؤال اجتماعي خطير: هل أصبح ممكنًا أن ينفصل صاحب الاسم عن مضمون العمل الذي ينسب إليه؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة هو أن يصبح الكاتب مجرد واجهة، والباحث مجرد حامل لشهادة، والمسؤول مجرد صاحب منصب بينما يقوم آخرون في الظل بإنتاج ما ينسب إليهم. عندها لا نكون أمام مشكلة فردية بل أمام خلل في مفهوم المسؤولية نفسه.

فالمجتمع الذي يسمح بأن تستبدل الكفاءة بالعلاقات، والجهد بالوساطة، والبحث الحقيقي بالشراء فإنه لا يفقد فقط نزاهة مؤسساته بل يفقد قدرته على صناعة المستقبل.

ولعل أخطر ميادين هذه الأزمة هو المجال الجامعي حيث يفترض أن تكون الجامعة الحصن الأول للدفاع عن الحقيقة والعقل والمنهج. لكن الواقع يشير إلى انتشار ظواهر مقلقة تتمثل في شكاوى متكررة حول السرقات العلمية والنقل غير المنسوب والتشابه الكبير بين بعض المؤلفات والأبحاث ووجود خدمات تجارية تقدم إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه وبحوث الترقية لمن يريد الحصول على الدرجة دون أن يخوض رحلة البحث الحقيقية.

وللأسف الشديد أصبحت هذه الظواهر تتم علانية حتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي وأصبح المشترون يدلون بعضهم البعض على من يقوم بهذه المهام ولا يجد المشترون حرجًا من أفعالهم.

وهنا تكمن الكارثة: فالرسالة العلمية ليست أوراقًا تجمع ولا فصولًا تنسق ولا صفحات تملأ لإرضاء لجنة مناقشة. الرسالة العلمية هي تدريب للعقل على السؤال والتحليل والنقد. ومن يشتري بحثًا جاهزًا لا يشتري فقط نصًا مسروقًا أو منقولًا بل يشتري وهمًا بأنه أصبح باحثًا.

أما الذين يمتهنون إعداد هذه الأعمال مقابل المال فهم في الغالب لا يعملون وفق رسالة علمية بل وفق منطق السوق يسلمون المنتج المطلوب بصرف النظر عن قيمته أو سلامته أو أصالته. وهكذا تتحول المعرفة إلى سلعة ويتحول الباحث إلى مستهلك وتتحول الجامعة من مؤسسة لصناعة العقول إلى محطة لمنح الألقاب.

لكن المسؤولية لا تقع فقط على من يكتب أو ينقل بل أيضًا على المؤسسات التي تسمح بمرور ذلك. فالأزمة الحقيقية ليست في وجود من يخالفون القواعد فهذا موجود في كل المجتمعات وإنما في ضعف الردع وفي غياب الثقافة المؤسسية التي تجعل النزاهة العلمية قيمة لا مجرد لائحة عقوبات.

إن ظاهرة السرقات الفكرية تكشف أزمة أعمق في بنية النخب العربية: أزمة البحث عن المكانة قبل امتلاك القدرة وأزمة تقديس اللقب على حساب المعرفة وأزمة الاعتقاد بأن المظهر يمكن أن يحل محل الجوهر.

فالدول لا تبنى بكثرة حملة الشهادات وإنما بكثرة أصحاب العقول. ولا تنهض الأمم بكثرة الألقاب المعلقة على الجدران وإنما بقدرتها على إنتاج أفكار جديدة وحلول حقيقية.

إن حماية الملكية الفكرية ليست دفاعا عن كاتب أو باحث فقط بل دفاع عن حق المجتمع في أن يعرف من ينتج المعرفة فعلًا ومن يكتفي باستعارتها. لأن المجتمع الذي تختلط فيه الأصالة بالانتحال والباحث الحقيقي بمن يشتري المعرفة هو مجتمع يفقد بوصلته الأخلاقية قبل أن يفقد تقدمه العلمي.

لقد آن الأوان لأن تطرح قضية النزاهة الفكرية باعتبارها قضية أمن قومي ثقافي لأن سرقة الفكرة ليست أقل خطرًا من سرقة المال. فالمال يمكن تعويضه أما العقل حين يهان والثقة حين تنهار فإن إعادة البناء تصبح أكثر صعوبة.

المعركة إذن ليست مع شخص أو كتاب أو واقعة بعينها بل مع منظومة قيم تحتاج إلى مراجعة شاملة. فالأمم التي تحترم المستقبل تبدأ أولاً باحترام الحقيقة والحقيقة الأولى في عالم المعرفة هي أن لكل فكرة صاحباً ولكل جهد حقاً ولكل إنجاز ثمنٌ لا يجوز أن يدفعه أحد ثم ينسبه غيره إلى نفسه.

حين تسرق المعرفة لا يسقط فرد فقط بل تسقط هيبة المؤسسة ويهتز احترام المجتمع لنفسه اللهم بلغت اللهم فاشهد.